الأحد، 8 مايو 2016

السودان سلة غذاء العالم ؟

بقلم: سليم عثمان
تنويه
  :
*كتبت هذا المقال قبل حادث الطائرة العمودية التى كانت تقل الأخ الدكتور عبد الحليم المتعافي وزير الزراعة الإتحادي ،من الفاو الى الخرطوم ،لذا لزم علينا أن نقول لله حمدا لله على السلامة ،ونسأل الله أن يتقبل كل من البروفسير الطاهر الصديق مدير البحوث الزراعية ،والسيد عيسي الرشيد ،المتحدث الرسمي بإسم الوزارة ،والمهندس الجوي إبراهيم محمد علي ،ونتمني عاجل الشفاء للمصابين فى الحادث .
*الأراضي الصالحة للزراعة حوالي 200 مليون فدان (85 مليون هكتار)موقع وزارة مجلس الوزراء السوداني .
*رشح السودان ضمن ثلاث دول لحل مشكلة الغذاء في العالم مع استراليا وكندا (موسوعة السودان الرقمية)
*المستغل من الأرضي الصالحة للزراعة حالياً أقل من 15% أي حوالي 30 مليون فدان.
*ينتج السودان القمح والسمسم والذرة والفول السوداني وزهرة الشمس والقطن ا والذرة الشامي والدخن والكركدي وغيرها من المحاصيل .والمساحة المزروعة قمحا فى الولاية (70) إلف فدان .
لا أدري من هو أول من أطلق هذا شعار السودان سلة غذاء العالم ؟ ومتي؟ وكيف ؟لكن الذي أعرفه أن السودان بما حباه الله من أرض واسعة حتى بعد إنفصال الجنوب عنه كدولة مستقلة ، وإمتلاكه لموارد مائية وثروة بشرية خبيرة بالزراعة ،قادر على تحقيق هذا الشعار على أرض الواقع ، شريطة أن تكون هناك إرادة سياسية واعية ومسؤولة ومدركة، لمعني ومدلولات الشعار، ويصبح إنزال الشعار على أرض الواقع ملحا ،لإعتبارات محلية وإقليمية وعالمية، سيما إذا علمنا أن العالم شهد أكبر ثلاث أزمات عالمية ،الأولي هي الأزمة المالية العالمية المستمرة منذ عام 2007 وحتى الان ،ولم يسلم السودان كبلد نام من تداعياتها، حيث واصل الجنية السوداني هبوطه أمام الدولار الأمريكي، رغم تضعضع الأخير أمام عملات أخري، وأحدثت الأزمة المالية العالمية خسائر كبيرة فى الوظائف والدخل، وليس هناك من يجرؤ على كشف الأرقام الحقيقية لعدد العاطلين وسط الشباب السوداني من الجنسين، فى ظل تفريخ جامعاتنا الكثيرة ذات المستوى المتواضع ،لعشرات الالاف من الخريجين، الذين لا يحتاجهم سوق العمل فى السوداني ، وبالتالي فهم مرشحون مع أسرهم لأن يصبحوا ضحايا للأزمة العالمية الثانية(أزمة الغذاء) علما بأن معدلات البطالة بين الشباب فى عموم المنطقة العربية نحو 50% وقد تخطى عدد الجياع فى العالم حاجز المليار نسمة عام 2009،نتيجة إرتفاع أسعار الغذاء ونسبة البطالة على أثر هذه الأزمة،أما الأزمة الثالثة التى يشهدها كوكب الأرض ( التغير المناخي ) فتتمثل فى الأزمة المناخية المتمثلة فى ظواهر وتقلبات مناخية شديدة تأتي بكوارث وتداعيات شديدة التأثير والمخاطر ،على نطاق عالمي واسع، وتأتي كل هذه الأزمات بمخاطر أمنية إقليمية ومحلية مختلفة، لعل أخطرها الأمن المائي ، حيث تشكل ندرة المياه والإجهاد المائي إحدي خصائص الدول العربية بما فيها السودان، الذي يمر من خلاله أطول أنهار العالم ،حيث يحتدم الجدل والتنافس بيين دول المنبع ودولتي المصب ( السودان ومصر ) حول ضرورة إعادة تقسيم الحصة المائية من جديد ، وهو ما يعرضهما لمزيد من المخاطر خاصة حينما تطالب دولة جنوب السودان بحصتها المستقلة من حصة السودان (تقدر حصة السودان من مياه النيل حسب اتفاقية مياه النيل لعام 1959م بنحو 18.5 مليار متر مكعب في العام. ويستغل السودان حالياً منها حوالي 12.2 مليار متر مكعب في العام. يقدر حجم تصريف المياه الموسمية بنحو 3.3 مليار متر مكعبت تنتشر مصادر المياه الجوفية في أكثر من50% من مساحة السودان ويقدر مخزونها بنحو 15.200 مليار متر مكعب، يعادل هذا المخزون الجوفي أكثر من 200 ضعف العائد السنوي من النيل) هذا بالطبع قبل أن ينفصل الجنوب ، لكن السودان لا يستفيد من حصته من مياه النيل ،بشكل مثالي،ولعله لو أستفاد من كامل حصته فى عمليات الزراعة بشكل علمي، يستصحب الزراعة وفقا للتقنيات الحديثة ،يكون قد بدأ أولى خطوات الإنطلاق نحو تحقيق شعارالسودان سلة غذاء العالم)وتحقيق الإكتفاء الذاتي من المحاصيل الغذائية،الى سياسة الأمن الغذائي ،وتطبيق شعار: نأكل مما نزرع ، الذي رفعته الانقاذ فى أيامها الأولي، سرعان ما لعقته، ولعل السودان مطالب الان أكثر من أي وقت مضي ،بالاستفادة القصوي من مياه الأمطار التى تهطل سنويا بمعدلات مختلفة ،خاصة على مناطق غرب وشرق ووسط السودان ،من خلال إقامة سدود وأوعية لتخزين هذه المياه ،للاستفادة منها فى الزراعة وشرب الماشية ، وفى هذا الصدد يمكنها الإستئناس بتجربة جمهورية الهند حيث قامت بحصاد المياه فى ست من القرى التى يبلغ عدد سكانها عشرة الاف نسمة،فى محاولة منها لحل مشاكل ندرة المياه المتكررة ،حيث إعتمدت تقنية مبتكرة من خلال توجيه مياه الامطار المتراكمة على أسطح المنازل فقط ،بإستخدام الأنابيب لشبكة من الخزانات الجوفية للتخزين، وإستخدامها لاحقا خلال موسم الجفاف ،ولعلنا فى السودان يمكن أن نستفيد أيضا من التجربة اليوغندية مع الزراعة العضوية،والتى بموجبها أصبح القطاع الزراعي هناك قادرا على المساهمة فى الحفاظ على سبل العيش الريفية ،حيث تم تحويل عملية تصدير المنتجات الزراعية العضوية الى مساهم رئيسي فى الإقتصاد الوطني ،كما أن تكثيف برامج بناء القدرات للقطاعين الخاص والعام حول الإقتصاد الأخضر وإعطائهما أولوية من قبل الحكومة ، من شأنه أن يدفع بالعملية الزراعية بصورة طيبة ، ومن شأنه أن يكافح الفقر فى السودان، وخفض معدلاته ،وبالزراعة القائمة على أسس علمية حديثة يمكننا أن نحسن أنماط الإنتاج الزراعي ،وتدهور الغطاء الأخضر، وتدهور الأراضي ،ومحاربة التصحر ، بل وتوفير ما يعرف بالوظائف الخضراء ،وفى هذا الصدد أدعو السيد عبد الحليم المتعافي وزير الزراعة الإتحادي ،أن يعمل على أستيعاب أكبر قدر من الخريجيين الزراعيين، إن لم يكن كلهم فى القطاعات الزراعية ، ولعل أول خطوة يمكنه البدء بها هو مساعدة من أعطتهم الدولة أراض زراعية ليعمروها فى ولاية الخرطوم، حيث مقر الولاية الإتحادية ،ودعمهم ماليا وتوفير كل ما من شأنه، أن يساعدهم فى إنشاء مزارع نموذجية توفر الخضر والفواكه لسكان ولاية الخرطوم، ومحاربة المحاباة فى عمليات التعيين ،فى هيئة البحوث الزراعية ،والإدارات التابعة لوزارته ،وتلك المنوطة بالزراعة فى الولايات الإخري، أذا لا يعقل أن يعمل المهندسون الزراعيون كسائقي ركشات فى الأسواق فى بلد زراعي كبير كالسودان، لو بذرنا فى أراضيه الحصي لأنبت وعدا وقمحا وتمنى ، على وزير الزراعة الإتحادي أن لا يكتفي بلبس (كاب ) والإشادة بمساحة 40( الف كيلومتر )زرعت بزهرة عباد الشمس فى ولاية سنار، بل العمل الجاد المسؤول على تحقيق شعار: السودان سلة غذاء العالم ،الذي وعد والى الجزيرة بروفسير الزبير طه بتحقيقة ،وقطعا هو غير جاد، وكان حديثه كحديث معظم مسؤولينا للإستهلاك المحلي، فى ذلك الجمع الذي خاطبه ،على وزير الزراعة الإتحادي أن يسعي لحل مشاكل التمويل الزراعي للمواسم المقبلة ، حتى لا تتكرر علينا أن نستفيد من أخطاء الماضي ،والعمل وفق خطط وبرامج واستراتيجيات قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى ،للإرتقاء بالعملية الزراعية ،علينا أن نعيد لمشروع الجزيرة سيرته الأولي ،علينا بل على وزير الزراعة الإتحادي أولا إحياء تلك المشاريع الزراعية ،التى كانت قائمة وماتت فى هذا العهد الميمون ، لتعود الى دورة الإنتاج الداعم للخزينة العامة ،إذا لا يعقل أن نستورد الطماطم والبطاطس من دول لا تملك عشر مواردنا ،على وزير الزراعة أن ينسى مشاريعه ومصالحه الخاصة ، ويعمل من أجل نهضة زراعية حقيقية فى السودان ،أو يغادر موقعه غير مأسوفا عليه ،ولابد لوزارته أن تستفيد حتى من الطاقة الشمسية ،فى العمليات الزراعية فى بلد الشمس ساطعة فيه على مدار العام ،واستغرب كثيرا أن السودان لا يهتم كثيرا فى أهدافه المعلنه والمنشورة ضمن الاستراتيجية العربية لتطوير استخدامات الطاقة المتجددة خلال الفترة من 2010-2030 حيث ان الاهداف السودانية المعلنة لمشاركة الطاقة المتجددة تبلغ فقط 1% لعام 2011 ،بينما دولة كالمغرب وضعت 42% لعام 2020.
إن توجه السودان نحو جعل الزراعة الحرفة الأولي لأهل السودان لن يتحقق بالإجتماعات الشكلية،ولا الزيارات التفقدية لأغراض الدعاية الإعلامية ، ولا بالخطب الرنانة ،ولا بالتصريحات المنفلتة ، ولا الشعارات الجوفاء (نفرة زراعية نهضة زراعية هلمجرا ) والتى نحسبها خداعا وغشا لنا ، بل يتحقق بمحاربة الفساد ليس فى القطاع الزراعي فحسب ،بل فى كل أوجه الحياة ، ولو استمر الفساد فى دوائر الدولة لن نحقق الأكتفاء الذاتي من القمح لقرن كامل من الزمن ،ومحاربة الفساد يتطلب شجاعة نادرة ،وعزيمة قوية ،بدءا من رئيس الجمهورية الى أصغر مسؤول فى الدولة ، وإن إعتماد الدولة الإقتصاد الأخضر، الذي يركز على التوظيف ،وكثافة العمالة ،يساعد فى صياغة سياسات تنموية تكلنوجية مناسبة ويعني فى الوقت نفسه،أن تصنيع 50% من أنشطة تصنيع معدات المشاريع الزراعية ،يمكن أن تكون محلية ،وللسودان تجربة لا بأس بها ،فى صناعة بعض تلك المعدات فى شرركة جياد .
إن الفقر الذي يرزح تحته عدد غير قليل من السودانيين، مرده الى فشل الحكومة فى استخدام الموارد الطبيعية المتاحة فى السودان ، وعدم الاستفادة من الموارد البشرية بحكمة ، لذا نرى انه قد ان الاوان، للاستفادة من العلم والتكلنوجيا للتخفيف من غلواء الفقر، والبطالة ليتحقق بالتالي الهدف من إطلاق النفرة أو النهضة الخضراء، وليس مهما من يكون على رأس اليات هذه الشعارات البراقة ،بل المهم التطبيق العملي ، الذي ينعكس على حال المواطن العادي ،ومعيشته وعلى الدولة أ ما يكفل ن تضع من الاليات والبرامج توظيف أكبر عدد من الفقراء، خاصة أولئك الذين يمتهنون الزراعة التقليدية بالمحاريث، التى تجرها الثيران ،والأدوات الأخري البسيطة ،ليقوموا بأداء رسالتهم على أكمل وجه ،بأقل مساعدة ممكنة من الدولة حتى لا يهدروا طاقتهم ،فيما لا عائد مجز من وراءه ،ويكون البدء بتسهيل نفاذ الفقراء الى تكلنوجيات يمكن تعلمها، وتقود الى نتائج سريعة ومفيدة لهم ،وتقلل خسائرهم ، وتكون مفيدة أيضا للإقتصاد الوطني ،وهذا يتطلب أيضا الى أن تقوم الدولة بتطوير مواعين التخزين، وكفاءة استخدام المياه، وإقامة مصانع بالقرب من مناطق الانتاج الزراعي ، وتطوير أدوات النقل، وتحسين الطرق الزراعية، ومكننة نظم الري، وإدخال الحيوان فى الدورة الزراعية ، وحتى الان الاستفادة من كهرباء سد مروي ضئيلة جدا فى العملية الزراعية ، سيما فى ولاية زراعية رائدة كالولاية الشمالية ،ولعل السبب يمكن فى أن القائمين على أمر الولاية و إدارة السد لم يستوعبوا بعد بصورة جيدة،معني إقامة سد فى منطقة كتلك ، وقد علمت أن السلطات الولائية لديها نية لزراعة الأرز هناك فى مساحات محدودة ،وهذا أمر طيب، لكن ينبغي على الحكومة الإتحادية كلها خاصة وزارة الزراعة توطين زراعة القمح فى الولاية الشمالية، لكونها صاحبة اكبر المساحات الخصبة الجاهزة لزراعة القمح فيها ، وقد استغربت كثيرا حينما شاهدت الالوف من سكان الولاية يشترون الخضروات (طماطم ، جرجير بصل فواكه من الخرطوم )ويحملونها الى مناطق الولاية المختلفة على متن السيارات والحافلات، ولعمري هذا عيب يجعل الناس يضحكون علينا ملئ أشداقهم ، اكبر ولاية زراعية أو هكذا ينبغي أن تكون تستورد حاجياتها من الخرطوم ،والعاصمة تستورد من الخارج، (ولم أر فى عيوب الناس عيبا كنقص القادرين على التمام).
على الحكومة أن تشرع فورا فى تجميع الحيازات الصغيرة، فى مشاريع كبيرة ذات عائد مجز وأن توجه البنوك المحلية خاصة البنك الزراعي ،بأن تولي العملية الزراعية ما تستحق من تمويل، فالاستثمار فى المجال الزراعي هو ما يحقق شعار: السودان سلة غذاء العالم ،ونهوض الزراعة فى البلد بالضرورة سيقود الى نهوض القطاع الصناعي الذي تدمر بالكامل ،وعلى وزارة المالية الاتحادية يقع عبئ كبير فى اشاعة بيئة مؤاتية لخلق فرص الوصول الى التمويل المناسب للمواسم والمشاريع الزراعية، ونظرة واحدة على عاصمة التوجه الحضاري، تجعلنا نوقن بأن الزراعة فى السودان لا زالت فى مؤخرة اهتمامات الحكومة ،حيث تعتبر العاصمة الخرطوم عاصمة جرداء ويستغرب المرء مالذي يجعل تونس خضراء ودبي خضراء وابوظبي خضراء ومعظم المدن الخليجية خضراء رغم قلة المياه وعدم خصوبة التربة ، وعاصمتنا ومدن السودان كلها جرداء قاحلة، إنه ضعف الإرادة ،والكسل الذي نتصف به ، والفساد وعدم الاستقرار الأمني، والمحسوبية والبيروقراطية وغيرها من الاسباب ، كلها مجتمعة تنفر المستثمرين عن ولوج هذا الباب ،لكننا نأمل أن تزول لو أردنا حقا النهوض بالزراعة وجعل السودان سلة لغذاء نفسه قبل أن يكون سلة لغذاء العالم .
على وزارة الزراعة الاتحادية كما على كل الجهات ذات الصلة، الابتعاد عن نماذج الأنشطة كثيفة الاستهلاك للموارد، وتلك التى لا تتضمن تحقيق عدالة اجتماعيةالى انماط انتاج واستهلاك اكثر استدامة ،فيها زيادة فى القيمة المضافة ( ووير زراعتنا يعلم جيدا معني القيمة المضافة فى الزراعة)لأن عملية صياغة سياسات تخفيف الفقر، وتفعيل أنماط مستدامة للانتاج والاستهلاك ،وتطوير مسارات خضراء للتنمية المستقبلية، يحتاج الى استثمارات طويلة الأمد ،فى التعليم والتطوير الثقافي، ولا أري أن إعلامنا يقوم بالدور التوعوي المطلوب ،منه فى هذا الجانب ،بما فى ذلك توليد معلومات وإقتراحات عن أمثل الطرق للإرتقاء بعملية التحضير المفيد ،وتوجد حاجة حقيقية لتشارك القطاعين العام والخاص فى العملية الزراعية لرفع حجم التمويل فى الاقتصاد الزراعي، والاستفادة من رؤوس الاموال المؤساتية للمستثمرين.
كما يعتبر أمن الطاقة وتداعياتها على البلدان المستوردة والمصدرة لها واحدة من المخاطر الأمنية ،التى أفرزتها تلك الأزمات العالمية الثلاث(المالية،الغذاء ، التغير المناخي) إضافة الى الأمن البيئي نتيجة تغير المناخ الذي يزيد من خطورة التهديدات الأخري.
إن إعادة تخصيص الاستثمارات من المشروعات الملوثة للبيئة الى تلك الصديقة لها أو الخضراء،يمكن أن يعزز الأداء الاقتصادي السوداني على المدى البعيد ،ويزيد من إجمالي الثروات والموارد المالية المتاحةعالميا ،كما أشار الى ذلك برنامج الأمم المتحدة للبيئة.
نتمني أن تولي الحكومة الزراعة ما تستحق من إهتمام إن كانت جادة فى تطبيق شعاراتها .


كاتب وصحافي سوداني مقيم فى قطر


  
رحم الله الشيخة /عائشة البصيري
بقلم : سليم عثمان
كاتب وصحافي سوداني مقيم فى الدوحة 
إن العلماء متى ما كانوا أحياء كان العلم حيا ، ومتى ما ذهبوا من الأرض ذهب العلم ، ومتى ما ذهب العلم حل الجهل ، ومتى حل الجهل حلت المصائب والنكبات بالناس ، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ،ينتزعه من صدور الناس ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يُبق عالما ) وفي رواية عند البخاري ( حتى إذا لم يبق عالمٌ اتخذ الناس رؤوسا جهالا ، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا )
صباح الثلاثاء الموافق 13 يوليو 2012 الموافق الثاني عشر من شهر رمضان 1433 تلقيت إتصالا من الدكتور زكريا محمد السيد ،رئيس رابطة أبناء دنقلا الكبري السابق بقطر، يجدد فيها الي الدعوة ،لافطار الرابطة السنوي بفندق شيزان، ثم أردف معزيا فى وفاة الشيخة المجاهدة ،والعالمة الحاجة عائشة البصيري عبد الرحمن ، قلت :لا حول ولا قوة الا بالله إنا لله وإنا اليه راجعون،إذن فقد أنشبت المنية أظفارها بجسد هذه العالمة الفضلى ، و تجاذبنا قليلا شذرات من سيرتها العطرة، ثم قال لي :أن المرحومة كانت قد أقامت جملة من المحاضرات الدينية ،فى دارهم العامرة فى مناسبة ختانه فى السبعينات وفى مناسبة زواجه عام 1999 وقال ان المرحومة كانت تستغل المواصلات العامة وأيسر ما ما توفر لإيصال الدعوة وأن ان الناس تقاطروا الى سرادق العزاء فى كل من كلمسيد ورومي البكري والخرطوم العزوزاب مشيرا الى أن المرحومة بإذن الله كانت تقيم درسا توعويا إرشاديا فى الأمور الدينية، لكل من يدعوها الى داره .
ثم دلفت الى الفيس بوك فوجدت الأخ محمد زمراوي قد نشر التعزية التالية للراحلة: عائشة البصيري في ذمة الله وفي الخالدين إنشاء الله .
مناسبة ختاني اوئل السبعينات وعام 1999م ابان زواجي ، فقد كانت زاهدة تتحرك بالمواصلات وايسر ما يتوفر لايصال الدعوة احبها اهل الشمالية جميعاً ، فقد ت الشمالية ركن من اركان الدعوة ، انها من كلمسيد كما قال شيخنا زمراوي ووالدتها حبوبتنا من رومي البكري ، تقاطر اهلنا في الشمالية الي سرداق العزاء بكلموسيد ورومي البكري والخرطوم العزوزاب .اللهم أرحمها رحمة واسعة وأغفر لها ، اللهم أسكنها فسيح جناتك مع الصديقين والشهداء ،أللهم ألهم آلها وذويها الصبر وحسن العزاء ،اللهم أبدلها دارا خير من دارها وأهلا خيرا من أهلها،اللهم نقها بالماء والثلج والبرد وأغسلها من الذنوب وتجاوز عن سيئاتها وانزل عليها شبابيب رحمتك ياكريم يا غفار 
مع بداية الاسبوع الثاني من الشهر الفضيل نفجع مرة أخري برحيل عالمة وداعية قدمت الكثير والكثير في مجال الدعوة لأهلها وجيرانها وللمنطقة بأسرها في ربوع شمالنا الحبيب والشيخة الحاجة عائشة البصيري تحتاج مني الي تعريف ، فأهل المنطقة يعرفونها أكثر مني . وأول ما عرفتها وأنا شاب في منتصف العشرينات أوكل الي أن أكون مقدم ندوة دينية في القرية، يؤمها نفر كريم في مقدمتهم الشيخ حسن أحمد حامد ،والشيخ حاج العطا بابكر، طيب الله ثراهم ، فقد كانوا أفذاذا وكان أكثر الحضور من النساء، وحين قدمتها بعد الشيخين، علت الأصوات بالتكبير والتهليل، وبدأت الحديث بكلماتها التي أبكت الجميع ، ومنذها وأنا ما فارقتها وما انقطعت صلتي بها، أفنت شبابها وعمرها وتجردت لذلك فأحبها الجميع ، ومازلت أذكر كيف كان تدافع الناس إليها ،حين يصل نبأ وصولها الي منطقة من المناطق كل يريد ان يأخذها ،وكانت تجد حرجا فيمن تقدم أولا اليه.
رحمها الله ، وتقبل منها ورفع درجتها فقد ماتت في يوم فضيل ، وفي شهر فضيل وفي ساعة فضيله.( ماتت في شهر القرآن ، وفي يوم الجمعة ، وهي صائمة وقبل الأفطار بعشر دقائق ) فنسأل الله أن يكون إفطارها في الجنة.
إنها الداعية شيخة عصرها وزمانها الحاجة عائشة البصيري ( من كلمسيد )
لا تنسوها من صالح الدعاء ،وبلغوا الآخرين أن يدعوا لها فهي تستحق منا إستنفارا ودعاء، فقد كانت تمشي بين الناس في الخير . (انتهي كلام الأخ زمراوي عن الراحلة).
قال رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم :خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء يقصد (السيدة عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها ) تذكرت ذلك الحديث وأنا أسمع نبأ وفاة الشيخة الحاجة عائشه البصيري، تلك السيدة التى عرفتها وأنا طفل صغير ،تقوم بإعطاء الدروس الدينية لنساء قريتي (الزورات كلمسيد) فى السبعينيات والثمانينات ، فهي سليلة أسرة عريقة ، كانت عالمة جليلة، بل كانت أكثر ممن عرفت من النساء حبا للدعوة الى الله ، كانت جيد شرح السيرة والمسائل الفقهية ، والحديث الى الرجال والنساء فى بساطة، وبشاشة وجه وضيئ صبوح سيماء السجود باد على محياها ، نعم من أسرة عظيمة، وأهلها كانوا شيوخا وفقهاء ، فوالدها البصيري عبد الرحمن كان شيخا جليلا فى حلتنا الصغيرة (كلمسيد) التابعة لقرية الزورات ، شمال مدينة دنقلا بالضفة الغربية، و كلمسيد تعني بلغة الدناقلة (مسجد الحجر) وهو من أقدم المساجد فى السودان، لقد حفظ الشيخ البصيري عليه رضوان الله القران فى خلوة الشيخ أحمد وديدي برومي البكري وهي من أمهات الخلاوي فى السودان لكنها للأسف الشديد توقفت عن بث نور القران فى السودان حيث كان الحيران وطلاب العلم يأتونها من فجاج السودان ومن دول غرب أفريقيا شأنها شأن خلوة الشيخ ود بدر فى أم ضوبان وخلوة الشيخ حسن بجه بالترعة بالولاية الشمالية وخلاوي همشكوريب وغيرها من الخلاوي وتعاقب على الامامة فى مسجد كلمسيد العتيق ثلة طيبة من الأشياخ ،منهم الشيخ الفكى عبدالله (توركلمسيد ( والشيخ الزين عبد الرحمن، والشيخ الجزولي عبد الرحمن ،والشيخ عبد الله عبد الرحمن( عبد الله فقير) والشيخ عثمان ابه ،والشيخ الاستاذ التجاني الجزولي ،والشيخ جمال الجزولي ، والشيخ الاستاذ سليمان عثمان ابه ، وغيرهم كثير ،وكان يؤذن فيه للصلوات المكتوبة والجمعة ،الشيخ عثمان جعفر، ومن بعده إبنيه الشيخ جعفر وبهاء الدين ، ولا يزال مسجد كلمسيد، الذي بني بجانبه فى الثمانينات مسجد حديث ،لا يزال أحد منارات الاشعاع فى المنطقة ، وقد سجل من قبل الراحل الطيب محمد الطيب حلقة خاصة عنه ،بثت فى تلفزيون السودان كانت الراحلة عائشة البصيري فى سبعينيات وثمانيات القرن الماضي تقيم فيه دروسا منتظمة بعد صلاة الجمعة، وفى شهر رمضان ، ولي شخصيا مع الراحلة العظيمة، ذكريات لا تنسي حيث أذكر أنها كانت تقيم دروسا منتظمة فى كل شهور السنة سيما فى رمضان المبارك، وكثيرا ما تشاركت معها فى تلك الدروس، وقدمتها فى ندوات ،فكانت تشرح للنساء بلغة عربية مبسطة وأحيانا (بالرطانة، لهجة الدناقلة ) حتى يتعزز الفهم، وما من بيت فى الزورات والقري المجاورة لها جرادة ، كابتود ، وغيرها من القري لم تدخله هذه العالمة الجليلة ، التى فقهت وعلمت نفسها بنفسها ،فى عصامية نادرة ،وليس هناك رجل أو شاب أو أمراة لا تعرفها ،فى طول المنطقة شمال وجنوب دنقلا وصولا القولد ورومي البكري والمناطق الشرقية (امنتجو الغدار ناوا الخ ) ،فقد كانت المرحومة أحدي نساء قلائل، قمن بمهمة الأرشاد والوعظ الديني ، لعشرات السنين ،حتى وافتها المنية فى شهر رمضان الفضيل، وهي صائمة ، قبل عشر دقائق من وقت الإفطاروفاضت الروح لربها ، نسأل الله أن يتغمدها بواسع رحمته، وأن يغفر لها ويجعلها من عتقاءه فى هذا الشهر الكريم، وأن يجعل قبرها روضة من رياض الجنة ، وأن يدخلها فردوسه الأعلي مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ، ويلهم الها وذويها الصبر وحسن العزاء، وإنا لله وأنا اليه راجعون . 
نعم ماتت الحاجة عائشة البصيري فى شهر فضيل ،ويوم فضيل، وساعة فضيلة ،كما أشار الأخ زمراوي (جاء في السنة أن من مات من المسلمين يوم الجمعة، أمن من عذاب القبر, فقد روى الترمذي في جامعه من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة ،إلا وقاه الله فتنة القبر. وقال الألباني في أحكام الجنائز:الحديث بمجموع طرقه حسن أو صحيح. وهذا الحديث فيه فضل لمن مات في يوم الجمعة، وعلامة على حسن خاتمته. والله أعلم) 
وهكذا حال الدنيا كل من عليها فان، ويبقي وجه ربك ذو الجلال والإكرام ، كانت الشيخة الحاجة عائشة البصيري إمرأة صوامة ، كانت تصوم الايام البيض من كل شهر، بل كانت تصوم كل أثنين وخميس، لعلمها أن أعمال المرء ترفع فيهما الى الله كما أوضح رسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم ،كانت تصوم اقتداء واهتداء بسنة الحبيب المصطفي ،وقال بعض الصالحين رضي الله عنه: ( كانت رابعة العدوية رضي الله عنها تقوم الليل، وتهجع عند السحر، فإذا انتبهت قالت: يا نفس، كم تنامي؟ يوشك أن تنامي فلا تقومي إلى يوم القيامة ) كأني بالشيخة عائشة البصيري كانت تحاول أن تتشبه بها ، ولله در أقوام هجروا لذيذ المنام ،وتنصلوا لما نصبوا له الأقدام، وانتصبوا للنصب في الظلام، يطلبون نصيباً من الإنعام، إِذا جنّ الليل سهروا، وإذا جاء النهار اعتبروا، وإذا نظروا في عيوبهم استغفروا، واذا تفكروا في ذنوبهم بكوا وانكسروا ،ففقد كانت المرحومة كما نحسبها عند الله إمرأة صالحة وكانت كريمة جواده بالخير ،خاصة فى رمضان ، عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن ، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة ). رواه البخاري، يقول الاخ يحي ماجد رئيس رابطة ابناء دنقلا الكبري بقطر متحدثا عن كرمها : ،في العام89 علمت بوجودنا في داخلية معهد الترعة الديني (حسن بجة) وأنا ومعي الاخ عادل محمود من امنتجو، والرشيد الطاهر من رومي البكري والصادق ابراهيم من لتي، أرسلت لنا دعوة للذهاب لمنزلها بكلمسيد، واستضافتنا من يوم الخميس حتى صباح يوم السبت، وأكرمتنا خير اكرام ،وقدمت لنا دعوة مفتوحة كل يوم خميس لزيارتها ، نسأل الله يكرمها كما أكرمتنا وأن يحسن إليها كما أحسنت إلينا ،انه سميع مجيب.
لم يكن يشغلها فى الدنيا سوي الدعوة الي الله، فكانت كثيرا ما تذكر حديث بلغوا عني ولو ايه ومن كتم علما جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار ، كانت تهتم بمواصلة أرحامها بل كانت تواصل كل الناس وتشارك فى لأفراحهم وأتراحهم ، كانت احيانا تقضي ستة اشهر فى قريتها كلمسيد متنقلة فى القري المجاورة تقيم الدروس الدينية لتذهب فى الشهور الأخرى من السنة الى المناطق الشرقية للقولد لتقيم دروسا اخري ،كما اشار الاخ زمراوي ،ما كانت تمل أو تكل من تبليغ رسالة الله فى خلقه ، قال عليه الصلاة والسلام: (عليكم بقيام الليل فإِنه دأب الصالحين قبلكم، وإنه قربة إلى ربكم، ومغفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم)0 كانت رحمها الله تهتم بقيام اللليل والذكر ، كانت تهتم بالاطفال خاصة الايتام منهم ،وتعطف عليهم وتمازحهم رغم ان الله لم يزرقها من البنين والبنات شيئا ، عاشت حياتها كلها داعية الى الله، لا تبتغي الا وجهه الكريم، كانت تغبر اقدامها فى سبيل الله الى أماكن بعيدة .
*بكاء الصالحين عند موتهم
خوفاً من الله تعالى
قال بعضهم: دخلنا على عطاء السلمي نعوده في مرضه الذي مات فيه، فقلنا له:كيف ترى حالك؟ فقال: " الموت في عنقي، والقبر بين يدي، والقيامة موقفي، وجسر جهنم طريقي، ولا أدري ما يفعل بي " ..
ثم بكى بكاءً شديداً حتى غمي عليه، فلما أفاق، قال: " اللهم ارحمني وارحم وحشتي في القبر، ومصرعي عند الموت، وارحم مقامي بين يديك يا أرحم الراحمين" .
وقيل:إن محمد بن المنكدر بكى بكاءً شديداً عند موته، فقيل له: ما يبكيك؟ فرفع طرفه إلى السماء، وقال: " اللهم إنك أمرتني ونهيتني فعصيت، فإن غفرت فقد مننت، وإن عاقبت فما ظلمت " .
وبكى أبو هريرة رضي الله عنه عند الموت، فتقيل له: ما يبكيك؟ فقال: " لبعد سفري، وقلة حيلتي " .
وبكى عمر رضي الله عنه عند الموت، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أخاف أن أكون قد أتيت بذنب أحسبه هيناً وهو عند الله عظيم.
وكان بعضهم يبكي ليلاً ونهاراً، فقيل له في ذلك، فقال: " أخاف أن يكون الله تعالى رآني على معصية، فيقول: مر عني فإني غضبان عليك " .
وبكى الحسن رضي الله عنه بكاء شريداً، فقيل له: يا أبا سعيد ما يبكيك؟ فقال: خوفاً من أن يطرحني في النار ولا يبالي.
*التوبة النصوح
كثيرون منا يذنبون ثم يتوبون ثم يعودون الى ذات الذنب فهل يقبل الله مثل هذه التوبة قيل: أذنب عبد لعبد العزيز بن عمر رضي الله عنهما ذنباً، فأوقفه بين يديه وأمر بضربه، فقال له: يا مولاي، أما بينك وبين الله تعالى ذنب فأمهلك فيه، فقال: وأي ذنب ما أمهلني، فقال: بالذي أمهلك إلا ما أمهلتني. فعفا عنه وتركه.
تم أذنب ثانياً، فأوقفه بين يديه وأمر بضربه، فقال: مولاي، أما عصيت الله تعالى ثانياً فأمهلك، قال: بلى، فقال: يا مولاي، بالذي أمهلك إلا ما أمهلتني، فعفا عنه وتركه. ثم أذنب ثالثاً، فأوقفه بين يديه وأمر بضربه، فاًطرق برأسه إلى الأرض ولم يتكلم، فقال له سيده: ما بالك لا تقول القول الذي كنت تقوله في كل مرة، فقال: يا سيدي، منعني الحياء من كثرة ما أتوب ثم أعود.
*نذر
وقال بعض الصالحين: رأيت شاباً وهو يقول: يا قديم الإحسان إحسانك القديم، فقلت له يوماً: أراك لا تغفل عن هذه الكلمة، فقال لي: لذلك سبب عجيب، وذلك أن من عادتي إذا كانت ضيافة أو عرس أبرز مثل النساء فاًتزر وأتقنع وأدخل بينهن وأجلس، فاتفق أن كأن عرس في دار الأمير، فحضرت على العادة فضاعت جوهرة في دار الأمير، فأمر الأمير بتفتيش النساء، فكشفوا عن اقنعتهن، وأنا كنت اقول: يا قديم الإحسان إحسانك القديم، ونذرت مع الله نذراً إن سترني لا أعود إلى ذلك أبداً، فلما وصلوا إلي نودي في القوم: أن اتركوا البقية فقد وجدنا الدرة. قال: فتبت من ذلك اليوم وعاهدت الله أن لا أعود.
وقيل في المعنى شعر:
لا عدت أفعل ما قد كنت أفعله ، جهلاً فخذ بيدي يا خير من رحما
هذا مقام ظلوم خائف وجل ... لم يظلم الناس لكن نفسه ظلما
فاصفح بعفوك عمن جاء معتذرا ... بذلة سبقت منه وقد ندما
مالي سقاك و لا علم و لا عمل ... فامنن بعفوك يا من عفوه كرما
*شرف المؤمن قيامه بالليل 
إخواني وأخواتي نحن مقبلون على العشر الأواخر من هذا الشهر الفضيل وفيه كان رسولنا الكريم يقوم من الليل طويلا فلا تنسوا قيام الليل علكم تصادفون ليلة القدر التى هي خير من الف شهر عبادة قيل:إن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فانك مجازى به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس ) وقال الحسن رضي الله عنه: ) يا ابن آدم، إنما هي أيام إذا مضى يومك ينقصك " .
وقيل في المعنى شعر:
إنا لنفرح بالأيام نقطعها ... وكل يوم مضى نقص من الأجل
فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهداً ... فإنما الربح والخسران في العمل
وقال بعض الحكماء عجبت لمن يحزن على نقصان ماله ولا يحزن على نقصان عمره، وعجبت لمن الدنيا مدبرة عنه، والآخرة مقبلة عليه، كيف يشتغل بالمدبرة ويعرض عن المقبلة؟ ) وقال عيسى عليه السلام: ) عجبت لثلاثة: غافل غير مغفول عنه، ومؤمل الدنيا والموت يطلبه، وباني قصراً والقبر مسكنه ) .
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " ويل لمن كانت الدنيا همه، والخطايا عمله، كيفما يقدم غدا بقدر ما تحرثون تحصدون ) .
قال لقمان لابنه: " خلق الإنسان ثلاثة أثلاث: ثلث لله، وثلث لنفسه، وثلث للدود

  
الذهب الأصفر(القمح)
بقلم : سليم عثمان 
المجلس التشريعي في الولاية الشمالية كان في سبات عميق لكنه أستيقظ مؤخرا من نومته العميقة منذ 2010 حيث أصدر السيد محمد عثمان تنقاسى- رئيس المجلس قرارا بتكوين غرفة متابعة لعمليات الموسم الزراعي الشتوي برئاسته وعضوية آخرين .
وحُددت اختصاصات الغرفة في متابعة سير الموسم الزراعي الشتوي بالشمالية والتنسيق مع وزارة الزراعة في اجتماعات الغرفة والطواف على المشاريع الزراعية إضافة إلى التنسيق مع اتحاد مزارعي الشمالية والبنك الزراعي وشركة المدخلات الزراعية ووقاية النباتات وتوفير مدخلات الإنتاج الزراعي والسعي مع المزارعين وإدارات المشاريع الزراعية في إدخال الكهرباء للمشاريع الزراعية للاستفادة من التمويل الأصغر والتحويل البنكي والدعم الحكومي. لم يحرك هذا المجلس ساكنا في طول الولاية وعرضها لدرجة أن مواطني الولاية صاروا يسخرون منهم وأطلقوا عليهم عبارة ( نوامنا الكرام ) المجلس الموقر يخشى محاسبة المسؤولين ، لا يستدعي الوزراء ورغم ذلك يصرفون رواتب ومخصصات خرافية، على أية حال نحمد للمجلس أنه أستيقظ أخيرا وأن تستيقظ أخيرا خير من أن تكون نومته نومة أهل الكهف .
كل المواسم الزراعية الشتوية في الولاية الشمالية فاشلة كما يقول المزارعون وحدها الحكومة هي من تزين فشلها ، هذا الموسم تتعهد حكومة الولاية بزراعة 200 الف فدان قمحا، من جملة 14 مليون فدان صالحة للزراعة ، أيعقل هذا ولاية تعتبرها حكومة السودان منقذة للبلد والدول العالم وسلة غذاء تزرع فقط هذا الرقم البائس من الأفدنة؟ لا تستفيد الولاية من مناخها البارد في زراعة محصول استراتيجي ذهب أصفر هو القمح، حكومة الولاية تدعي أنها لن تكتفي بزراعة 200 ألف فدان من القمح فحسب بل سوف تسعي لأن تكون إنتاجية الفدان الواحد 14 جوالا،كيف ذلك لا أحد يعرف سوى سعادة وزير الزراعة المحترم لكننا سوف ننتظر لنرى هل تصدق حكومة الولاية في وعودها في ظل مشاكل لا تحصي تعترض الموسم أولها عدم كهربة مشاريع عديدة ، ضعف التمويل للموسم من البنك الزراعي و بطء الإجراءات ،ونشير الى ان عدد سكان الولاية الشمالية حسب أخر إحصاء عام 2008م 800 ألف نسمة، علما بأن رقعة الولاية الشمالية تمثل نحو 18% من مساحة السودان، السواد الأعظم من مواطني الولاية يحترفون مهنة الزراعة ولكن بوسائل بدائية جدا، فلم تفلح حكومة الولاية في إدخال الميكنة الحديثة في كافة العمليات الزراعية وتفشل كل عام في توفير المحاريث والحاصدات الزراعية فضلا عن توفير الجازولين والأسمدة الكيماوية غيرها من المدخلات الزراعية، قلنا في مقال سابق أن حكومة الولاية الشمالية فشلت في تجميع الحيازات الصغيرة التى كان ينادي بها الراحل الزبير محمد صالح النائب الأول لرئيس الجمهورية وحسب احصاءات مصدرها ما يسمي بالنهضة في الولايات(يوجد بالولاية الشمالية عدد(21.499) مترة زراعية يعمل منها حالياً 1998 (19.375) مترة والباقي (2.124) مترة غير عاملة لعدم الحوجة الفعلية أو المقدرة الإدارية والمالية ) ولا تنتج هذه المترات شيئا يستحق القيمة لأن معظمها لم تتم كهربتها وتعاني من مشاكل غلاء الجازولين وقطع الغيار وتكلفة استصلاح الأرض وغيرها من المشاكل ،ويظل تدخل وزير الزراعة في حل مشكلات أراضي المترات والأراضي الزراعية عموما من المشاكل التى تعوق مسيرة النهضة الزراعية في الولاية وقد أشرنا في مقال سابق الى مشكلة أراضي الزورات المتكررة قرار بإيقاف منح المستحقين يعقبه قرار اخر بفك الإيقاف ثم الإيقاف وهكذا دواليك،وبحسب وزراعة الزراعة في الولاية 1998(توجد بالولاية نحو "70" بئراً جوفية للأغراض الزراعية تتركز بمحافظتي دنقلا ومروى والعامل منها فقط نحو (32 بئرا) ولا أظن أن العدد ارتفع كثيرا ، وتعزى النسبة العالية للابار غير العاملة لعدة أسباب منها عدم قيام مشروع تعمير الخوى وتوقف البعض لأسباب فنية ، مالية أونزاع حول الملكية كما في مشروع تنكو صحارى والولاية الشمالية تعد من أكثر ولايات البلاد التى تعج بمشاكل النزاع على الأرض ،الحكومة تنازع المواطنين وسد مروى ينزع أراضيهم بغير حق ولا خريطة واضحة تبين كيف تمنح حكومة الولاية الأراضي الزراعية للمستثمرين العرب،بل يتهتم البعض وزير الاستثمار الدكتور مصطفي عثمان اسماعيل بأنه يسعي لجلب المستمثرين ألى منطقة القولد وما حولها وليس لكل ارجاء الولاية،وحسب احصاءات تخص وزارة الزراعة بالولاية أيضا ( تقدر كميات المياه الجوفية المتاحة بالولاية 750 مليار م3) (كما تقدر كميات المياه الجوفية المسحوبة لأغرض الري ب 802 مليون م3 / السنة يستغل منها 70% لري العروة الشتوية ) وتضم الولاية مجموعة ضخمة من الموارد الزراعية والمناخ الملائم والميزة النسبية والخدمات المساعدة لإنتاج العديد من المحاصيل الغذائية والبستانية بل وتتفرد بإنتاج بعض المحاصيل في مساحات واسعة دون ولايات السودان الأخرى مثل الفول المصري والتوابل (الشمار التوم- الحلبة- الكسبرة) وبالرغم من ذلك تظل إنتاج الولاية من هذه المحاصيل والبقوليات دون تطلعات مواطني الولاية والسودان وللمرء أن يتخيل أن الولاية الشمالية التى تعد الولاية الثانية في إنتاج القمح تزرع 200 الف فدان هذا الموسم و الجزيرة 500 الف وبالكاد ربما تصل المساحة المزروعة هذا الموسم في كل السودان أقل من مليون فدان قمحا، وبالطبع لمشاكل جمة سيكون الإنتاج ضعيفا وبائسا،لأن الحكومة الإتحادية والحكومات الولائية لا تؤمن بحق أن القمح سلعة استراتيجية وربما ابتلعت الحكومة شعرها القديم ( نأكل مما نزرع) فصرنا نأكل من خلف البحار.لذلك أشك كثيرا في نجاح الموسم الشتوي في الولاية الشمالية وفي كل السودان لذات الأسباب المعروفة والمتكررة.
قل للمليحة:
كان مسكين الدارمي شاب وسيما محبا للغزل وكانت الفتيات يحببنه ، ويعجبن به ويتمنينه وبعد مدة ..تنسك .. وترك هذا المسار .. وانقطع للعبادة ،،، وصادف أن جاء إلى المدينة التي هو فيها تاجر ببضاعته ليبيعها وكانت البضاعة خُمرا .. بضم الخاء والميم / جمع خمار ، وليس خمرا مسكرا، فلم يبع منها خمارا واحدا
فضاق صدره واغتم .. وجاءه من يشير عليه بحيلة ليبيعها فقال له إن أردت ألا يبقى عندك خمار واحد ، وتبيعها كلها بالثمن الذي تريد فافعل ما أقوله لك
اذهب إلى ذلك المقيم في المسجد (وأشــار الى مسكين ) واعرض عليه قصتك ، واسأله أن يقول بيتين في الخُمرالتي تبيع !
جاء التاجـــر إلى مسكين وشرح له قصته وسأله ، أو تســوّلـه بيتين فاعتذر مسكين وقال لقد رغبت عن النساء وشأنهن ، وتركت ما كنت عليه . وبعد اصرار التاجر وافق مسكين الدارمي وقال الأبيات الثـلاثـة التاليــة : 
قل للمليحة في الخمار الأسود...... ماذا فعلت بناسـك متعبـد 
قد كان شمر للصـلاة ثيابه..........حتي وقفت له بباب المسجد 
ردي عليه صلاته وصيامـه........لا تقتليه ، بحق دين محمد
كاتب وصحافي مقيم في الدوحة

إنتبه : الحكومة راجعة للخلف

 
* بقلم : سليم عثمان 
رجال المرور في السودان أكثر رجال الشرطة تعبا في العالم كله، تجدهم في هجير الصيف وفي عز الشتاء يقفون في التقاطعات المختلفة ينظمون حركة السيارات خاصة في العاصمة الخرطوم التي فيها ملايين السيارات ما بين مرخص وغير مرخص لها بالعمل ، فضلا عن أكثر من 30 الف (ركشة) بعضها يقودها صبية صغار مراهقون، وفي الاسبوع الاخير قبل مغادرتي الخرطوم ،وجدت رجال المرور يقفون في معظم التقاطعات بزيهم المميز ( يوقفون الحافلات ويمنحون البعض وصل مخالفة لعدم الترخيص مثلا، أو لعدم الالتزام بالشروط الفنية لسلامة المركبة الخ، فوجدت عددا لا بأس به من السائقين يحاول جاهدا تجاوز تلك النقاط التي يقف فيها رجال المرور من خلال الدخول بطرق جانبية ، مما يرهق الركاب .
سيارات النقل في الخرطوم لا يمكن أن يسميها المرء سيارات لأن معظمها متهالكة ، تتراقصكراسيها فتجعل الرجل ينداح بكامل جسده الى صبية بجانبه، أو امرأة كبيرة تتمايل فتلاصق بكتفها شابا يجاورها، ويحشر الناس فيها حشرا ،وبعض السائقين لا يراعون مشاعر الركاب ،ولا مزاجهم العكر بفعل طقس السودان الحار ، وهموم الحياة، فتجدهم يشغلون أغان هابطة لفنانين لا يجيدون سوى النعيق والصياح مع موسيقي صاخبة، تنفر منها الأذان السليمة ،السائقون يتهمون رجال المرور بأنهم يخالفونهم دونما ذنب، والحقيقة أن كثير من السيارات في الخرطوم سواء كانت للنقل أو خاصة أو حكومية لا تصلح للنقل، نعم من حق رجال المرور أن لا يسمحوا لأي سيارة بالمرور الا بعد استيفاء كافة الشروط الفنية لأن ذلك من ربما يحافظ على السلامة المرورية المرجوة للسائقين ولسياراتهم ولمستخدمي الطريق الاخرين، الطرق هي الأخرى متهالكة وخير مثال نسوقه لذلك شارع العرضة في أمدرمان وغيرها من الطرق وهو ما يتسبب في الحوادث المرورية وأيضا في أصابه اجسام السيارات أصابات بليغة، تجعلها لا تصلح للسير في تلك الطرقات، أحدهم كتب في مؤخرة سيارته ( لو كانت الشقاوة رتب لكنت لواء) سائق سيارة حكومية من أولئك المستهترين عاد للخلف في احد التقاطعات ودعم سيارة خاصة فنزل صاحبها يحتج على السائق المستهتر، فتجمع الناس حوله فقالوا له: انت المخطئ قال لهم: كيف ذلك ؟ قالوا له أنت لا تعرف أن الحكومة دائما راجعة للخلف! ؟ البعض يتهم رجال المرور أنهم أثروا من خلال تحصيلهم لقيمة مخالفات لا تتم بأورنيك 15 وبالتالي لا تدخل تلك المبالغ في الخزينة العامة، فالحق يقال أن هذا الاتهام لا يستقيم بحق كل هؤلاء الرجال الشرفاء، انما بحق قلة وهذا النوع موجود في كل مكان، وليس في قطاع الشرطة وحده. وليس صحيحا ذلك الاتهام الذي يقول : كل رجال المرور لا نجدهم الا في مطاعم الاسماك في الموردة والخرطوم 
* الجمارك:
رجال الجمارك ايضا يبذلون جهدا مقدرا في مطار الخرطوم، يرصدون كل ما يمكن جمركته ضمن أمتعة القادمين، ولكن بمجرد أن تصل الى الضابط المناوب، فيعرف أن الذي تحمله مثلا شاشة بلازما واحدة لأفراد أسرتك أو حاسب شخصي أو معدات الكترونية أو كهربائية شخصية، يطلب منك الضابط بكل أدب حملها دون دفع شيء، وهذا هو المأمول إذ لا يعقل أن يدفع المغتربون قيمة جمارك لمعدات وأدوات بسيطة يحملونها الى عوائلهم ، يجب أن يكون هذا توجها عاما لدى إدارة الجمارك في كافة منافذ الدولة البرية والبحرية ، والجوية أما عن جمارك السيارات فحدث ولا حرج وليت رئيس الجمهورية يسمح لكل من تغرب عن وطنه بإدخال سيارة للاستخدام الشخصي والأسري دون جمارك تقديرا لما بذله هؤلاء المغتربون في دعم اقتصاد بلدهم أليس مساعدة هؤلاء لأهاليهم وأسرهم الممتدة في السودان دعما لاقتصاد الدولة؟..
*جهاز المغتربين:
جهاز المغتربين في عهد سعادة السفير حاج ماجد سوار تراجع كثيرا، فاستكمال اجراءات الحصول على تأشيرة استغرقت منى يوما كاملا ، الموظفون في الجهاز بعضهم لا يؤدون عملهم بالكفاءة المطلوبة ، القاعات حارة ومكتظة بالناس ، وأكبر المشاكل في رهط من النساء يعملن لوكالات خاصة، هؤلاء النسوة يهتم لأمرهن ضباط الجوازات، بينما يتجاهلون من يقفون في طوابير طويلة مملة ، حتى ينجزون لهم معاملاتهم ، لا توجد مياه شرب ولا كراسي جلوس، يشغلون مراوح بدل المكيفات ، لوحات الاعلان معطلة ،أو لا فائدة من وجودها ،لا أحد يرشدك الي المطلوب ،لا توجد باختصار علاقات عامة كفؤة في الجهاز . حتى مقر الجهاز نفسه بوضع مبانيه الحالي لا يستوعب كم المغتربين الكبير،الجهاز مطالب بتوسعة مواعينه وفتح فروع له في مدن العاصمة الكبرى ومطلوب منه استيعاب كفاءات تنجز عملها بالسرعة المطلوبة ،لا ان تضيع وقت المراجعين في أحاديث جانبية ومكالمات هاتفية وفطور الخ، ولا أدري لم يتم تحصيل رسوم خدمات من قبل الجهاز دون وجود خدمات أصلا أو في أحسن الأحوال مع رداءتها؟.
ديوان الزكاة في الجهاز هو الاخر لا يراعي ظروف المغتربين ويلزمهم بدفع أموال فوق طاقتهم الزكاة يا هؤلاء على القادرين فقط، ومعظم المغتربين غير قادرين فضلا عن أنهم يعولون أسرا ممتدة في السودان بالإضافة الى أسرهم ولم تعد الغربة كما كانت بالأمس . . 
الطماطم
معظم الطماطم الموجود في الاسواق السودانية ملوث ويتم إنضاجه من خلال إستخدام مبيدات ومواد كيماوية تضر بصحة الناس، فعلي جهات الاختصاص أن لا تسمح بذلك حتى لا يكون عدد مرضى السرطانات في السودان اكثر من عدد مرضى الملاريا في البلد، لن نقول لزراعي الطماطم عودوا الى السماد البلدي، لكننا نناشدهم بأن يتقوا الله فينا ، سبحان الله، الطماطم في الخرطوم رخيصة هذه الأيام، وتجد البعض يكثرون من تناول سلطة الطماطم دون علم بما تحمله الطماطم المنتجة بالكيماويات من أمراض ومخاطر، والسبب انها تنتج بطريقة سريعة في العديد من المزارع وباستخدام تلك المواد الضارة وتسكت الحكومة لأنه يهمها أن تتوفر قفة الملاح لكل مواطن، لكن ليس مهما إن كانت محتويات القفة ملوثة أو سليمة .
• كاتب وصحافي مقيم في الدوحة


  
نأكل مما نزرع!؟
بقلم: سليم عثمان
جاء فى أخبار الأيام المنصرمة أن ولايتي الخرطوم والشمالية إتفقتا على إنشاء مشروع لزراعة القمح في الحدود المشتركة بينهما في مساحة 25 ألف فدان كمرحلة أولى ،جاء ذلك خلال إجتماع مشترك ،ضم والي الخرطوم د/ عبد الرحمن الخضر ، ووزيري الزراعة فى كل من الخرطوم و الشمالية، ومسؤولين من جامعة جامعة دنقلا . 
أكد الإجتماع أن الدراسة قائمة على وقوع المنطقة المختارة في الحوض النوبي ووادي المقدم ،مما يعني خصوبة الأرض وتوفر مياه الري في أعماق قريبة من سطح الأرض، وقال والي الخرطوم: إن هذه الشراكة مهمة لجهة أنها تعمل على إنتاج سلعة إستراتيجية تكلف خزينة الدولة أموالاً طائلة، مشيراً إلى أن هذا المشروع سيكون نموذجياً يستخدم أحدث أجهزة الري المحوري ليكون نواة لجذب الممولين والمنتجين ،بإعتبار أن الولاية من أكبر المستهلكين للقمح في صناعة الخبز وأكد الجانبان ضرورة دفع كل الجهود في إتجاه إنجاح هذه الشراكة ، وتم تكليف الجهة الإستشارية لجامعة دنقلا بإكمال الدراسات الفنية والجدوى الإقتصادية للمشروع .
القمح كما أشرنا فى أكثر من مقال سلعة أستراتيجية بمعني الكلمة ولو أحسنت الحكومة تطبيق شعارها القديم ( نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع ) لكان حال مواطنينا وبلدنا اليوم أفضل كثيرا، و يزرع القمح في القطاع المروي فى كل من شمال ووسط السودان وتعتبر الولاية الشمالية الموطن الطبيعي والتاريخي الأنسب، لزراعة القمح فى السودان وذلك لعوامل عدة أهمها : المناخ البارد الذي يحتاجه محصول القمخ وتوفر الأراضي الخصبة والواسعة وأيضا المياه فى الولاية الشمالية.فى عام 1992 أطلقت الحكومة شعار (تمزيق فاتورة القمح) وتفائل الناس خيرا به لكن 
واقع القمح فى السودان اليوم بعد مرور كل تلك السنين واقع أليم ومحزن حقا ، فبقراءة سريعة لمؤشرات إنتاجج هذا المحصول الهام يتضح لنا أن الواقع ليس أليما ومحزتا فحسب بل كارثي ، ففى عقد الستينات على سبيل المثال كان إنتاجنا من القمح حوالي 50 ألف طن، وكان يسد الحاجة وإذ أن عدد السكان كان وقتذاك لا يتجاوز 11 مليون نسمة، نجحت الإنقاذ في الى حد ما في تمزيق فاتورة إستيراد القمح بإنتاج ( 831 ألف طن) وجاء ذلك على حساب محصول رئيسي ونقدي هو القطنفى مشروع الجزيرة الذي هو الاخر انهار تماما بسبب اهمال الحكومة للقطاع الزراعي رغم وجود البترول بكميات لا بأس بها فى السودان قبل إنشطار الجزء الجنوبي منه لتصبح الدولة 194 فى الأمم المتحدة فى عام 2011.لكن إنتاج السودان من القمح انخفض في السنة التالية مباشرة الى ليصل 450 ألف طن فقط ، كما ولم ينتج السودان فى موسم 2009 -2010م من القمح الا ما نسبته 16% ، علما بأن بلادنا تحتاج الى أكثر من مليونين ونصف طن من القمح سنويا ،وهو الأمر الذي حدا بوزارة التجارة الى فتح خط ائتماني تجاري لتمويل واردات مليوني طن من القمح الروسي إلى السودان ولإنشاء صوامع لتخزين الحبوب ويأتي طلب الخرطوم في وقت يعاني فيه السودان في توفير الاعتمادات بالعملة الصعبة لاستيراد القمح، والتي تصل إلى ملياري دولار سنويا، في حين تنتج بلادنا الان ما لا يتجاوز 12 إلى 17% من الاستهلاك السنوي وتحتكر ثلاث شركات مطاحن "سيقا، ويتا وسين" استيراد القمح للسودان. فى عام 1999 وصل إنتاجنا الى اقل من 170 الف طن ،ومنذ ذلك الحين لم يتجاوز انتاجنا من القمح 500 الف طن حتى عام 2012، والشئ الغريب والمدهش أن بلادنا كانت مكتفية ذاتيا من القمح بنسبة لا تقل عن 80% من القمح.
فى نوفمبر 2010 انعقد فى الخرطوم سمنار رؤى حول توطين القمح في السودان ، وفى ذلك السمنار( وجه د /محمد على الحاج علوبة ، وزير الدولة وقتذاك بوزارة الزراعة عدداً من الاسئلة عن دواعى وأسباب الاهتمام بالقمح فى السودان وأين يوطن ؟ وكيف ؟ وهل هناك استراتيجية للقمح ؟ ومتى سنكتفى ؟ وهل هناك امكانية للصادر ؟ وكيف نحقق الاكتفاء الذاتى والصادر ؟ وماهى آليات توطين القمح؟ وتساءل عن دور البحوث فى استنباط عينات بذور تناسب مناخ البلاد .. كما تساءل عن دور مجالس السلع (القمح) كمنظمات مجتمع مدنى ودور النهضة فى التوطين والاكتفاء الذاتى مطالباً باجابات واضحة وخطة واضحة من خلال توصيات السمنار تقود لعمل سياسات مشجعة لاستمرار انتاج سلعة القمح) ولا أظن أن حكومتنا وجدت إجابات مقنعة حتى الان لتلك الأسئلة وغيرها ، فمن المعلوم أن ضعف التمويل وقلته أدي عزوف معظم المزارعين من تطبيق الحزم التقنية مما أدي إلي تدني معدلات الإنتاج ،ومعلوم أيضا أن المزارعون في الشمالية مثلا يعانون من بطء وتأخر التمويل وشروطه القاسية عليهم وإرتفاع أسعار الجازولين والسماد والمدخلات الزراعية من محاريث وحاصدات وغيرها وهو ما يتطلب مراجعة دقيقة لصيغ التمويل المتمثلة فى السلف و المرابحة من البنوك الحكومية والصيغ التى تمول من البنوك الخاصة (محفظة البنوك) وبعض السلفيات الزراعية الأخرى .
لذلك فإن التعاون بين ولايتي الخرطوم والشمالية لزراعة مساحات بسيطة أمر حسن ويجب التوسع فيها مستقبلا كما أن تولي السيد رئيس الجمهورية لملف الاستثمار بشكل مباشر يؤكد فشل سياساتنا الاستثمارية كلها خاصة فى المجال الزراعي الذي نعول عليه كثيرا فى النهوض بالقطاع الزراعي عامة والقمح على وجه الخصوص .
الحجاج التقي :
قال الحجاج يوما لرجل : اقرأ لنا شيئا من القرآن . فقرأ الرجل الآية ( إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يخرجون من دين الله أفواجا ..) فقاطعه الحجاج مصححا وقال له : بل يدخلون في دين الله أفواجا . فقال الرجل . - كان ذلك قبل ولايتك أيها الأمير.
أطول أعناقا يوم القيامة:
سمع رجل سكران مؤذنا رديء الصوت فصعد إليه وجلد به الأرض ثم جعل يدوس على بطنه فاجتمع إليه الناس وسألوه عن سبب فعلته فقال : - والله ما ضربته لرداءة صوته فقط ولكن لشماتة اليهود والنصارى بنا

الديك الذي يبيض البيض

بقلم: سليم عثمان
  
ماذا يعني تراجع نسبة مساهمة تحويلات السودانيين إلى أقل من 1% في الدخل القومي للبلاد مقارنة بـ 6% خلال العام 2003، وماذا يعني أن يكون جهاز المغتربين مجرد جهاز يجبي ما في جيوب المغتربين من مدخرات ( كزكاة وضرائب وخدمات وغيرها) حتى يحصل المغترب على خلو طرف وتأشيرة خروج مرة أخرى الى مكان عمله، وهكذا تستمر جباية الجهاز لأمواله كل عام حتى يتوفاه في غربته، أو يعود الى بلده وقد أنهكه المرض وأشتعل رأسه شيبا وتقوس ظهره، دون أن يجد أي عون يذكر من الحكومة التي أكلت لحمه ورمت بعظمه، هل السبب في تضاءل تحويلات المغتربين الى السودان هو وجود سعر موازي للدولار يفوق سعره الرسمي ب50% ، أم هناك أسبابا أخرى أدت الى عزوف قطاع المغتربين عن تحويل مدخراتهم الى السودان للمساهمة في تنميته؟.
المغتربون في أصقاع الدنيا الأربعة كثيرون جدا، وليس لجهاز المغتربين إحصائية دقيقة لهم وهذا فشل اخر للجهاز الذى ظل طوال عمره المديد لا يهتم الا بالجباية والجباية وحدها ، حتى أن المغتربون لا يدخلون مبانيه الإ مجبرين مرغمين؟ هل يستطيع مغترب واحد أن ينال تأشيرة من دون أن يدفع ضرائب وزكاة وخدمات وبطاقة خدمة وطنية الخ ؟ بالطبع لا لذلك فالعلاقة بين المغترب وجهازه علاقة سيئة ومتوترة دائما، المغتربون لا يقومون مطلقا بتحويل مدخراتهم الى أهليهم في السودان عبر الجهاز المصرفي كما قالت الأمم المتحدة بذلك ، بينما دولا عديدة من حولنا تستقبل مليارات الدولارات كل عام لأن حكوماتها تقدر عطاء ابنائها في الخارج تعرف قيمة تحويلاتهم المالية ومساهمتها في دعم اقتصاد تلك البلدان، السودانيون في دول الخليج و أوربا وأمريكا وكندا وأستراليا بدلا من التفكير في شراء شقة أو بناء بيت عادي في السودان يذهبون الى القاهرة لشراء شقة فيها، بل منهم من يستمر في دول أفريقية لعدم ثقته في قوانين وظروف الاستثمار في السودان، حيث أن ثقة المغتربين بالنظام المصرفي والاستثماري قد اهتزت منذ زمن بعيد، منذ أن قال الشهيد المشير الزبير محمد صالح: وهو يمر ذات يوم بأنفاق ( جداول ضخمة ) حفرها وقتها المهندس الصافي جعفر المسؤول الأول عن ما يسمي بمشروع سندس الزراعي، قال : يا جماعة الترع التي حفرها أخونا الصافي دي يدفنوها كيف؟ لعلمه أن المشروع ولد ميتا وكان أكثر ضحاياه نفر من المغتربين دفنوا بعض مدخراتهم في ذلك المشروع الفاشل .
الحكومة لا تعتبر السودانيين سوى بقرة حلوب أو ديك يضع لها البيض ، غير ذلك لا تهتم بهم، ليس للمغتربين في السودان اي مشروع يخصهم ، حتى الجامعة المسماة زورا وبهتانا باسمهم لا علاقة لهم بها ولا تشبههم ، وليس لأبنائهم فيها مزايا تفضيلية، المغتربون معظمهم يعانون في تعليم ابنائهم الأمرين يدفعون اموالا طائلة حينما يدفعون بهم للتعلم في الجامعات الوطنية الحكومية والخاصة ويدفعون أكثر حينما يبعثونهم الى الدول الأخرى بل تميز الدولة بينهم وبين اخوتهم عند القبول في الجامعات، لصالح من هم بالداخل كأنهم نبت شيطاني يطلب منهم الدفع بالدولار، مما يشعرهم أنهم مغتربون صغار داخل وطنهم.
الخطط الاسكانية في العاصمة الخرطوم وفي مختلف ولايات السودان لا تضع اعتبارا للمغتربين فهم كغيرهم مطالبون بالشراء بالعملة الحرة وقد زرت عددا من المجمعات السكنية التي شيدتها مصارف حكومية وخاصة فهالني الاسعار التي يعرضون بها تلك الشقق الضيقة وقلت في نفسي لأن تشتري شقة في لندن او القاهرة او اديس ابابا او نيروبي او كوالالمبور خير لك من أن تشتريها في السودان، فأسعار تلك الشقق السودانية خرافية بل فلكية، وحكومة ولاية الخرطوم ارسلت وفدا من وزارة الاسكان فيها الى المغتربين في بعض دول الخليج فباعوا لبعضهم قطع سكنية فيما يسمي بالوادي الاخضر شرق مدينة الصحفيين وهي مجاري سيول وتفتقد لأبسط مقومات البناء فيها لا طرق لا مياه لا كهرباء ، والغريب انهم باعوا القطعة بحوالي ثمانية الاف ريال قطري على سبيل المثال قبل عدة سنوات وسعرها اليوم لم يتجاوز هذا المبلغ وهو ما يؤكد انهم خدعوا المغتربين، وغير ولاية الخرطوم تأتي وفود أخري باستمرار طمعا في مزيد من خداع المغتربين، الذين تبخل الحكومة عليهم بكل شيء ، هل يعقل أن يحول مغترب فلسا واحدا بسعر البنك؟ هل يعقل أن يدفع مغترب واحد للحكومة بطيب خاطر وهي تواصل ظلمها له وأبناءه من بعده؟ حكومتنا مطلوب منها أن تعيد سياساتها تجاه ابناءها المغتربين بأن تمكنهم بتحويل اموالهم بالدولار واستلامها بذات العملة بدلا من العملة السودانية التي تتقهقر أمام الدولار كل صباح، مطلوب منها أن تهتم بالمغتربين في خططها الاستثمارية المختلفة وبضمانات حقيقية تجعلهم يقبلون على الاستثمار في بلدهم بدلا من الاستثمار في دول أخري مطلوب منها أن توفر لهم السكن الملائم والعودة الكريمة بكل متطلباتها ، من الاعفاءات الجمركية لأثاثات بيوتهم وسياراتهم الخ.
• لغة
كان أبو علقمة من المتقعرين في اللغة وكان يستخدم في حديثه غريب الألفاظ ،
وفي أحد الأيام قال لخادمه : أصقعت العتاريف ؟ فأراد الخادم أن يلّقنه درسا ، فقال
له كلمة ليس لها معنى وهي : زيقيلم ، فتعجب أبو علقمه ، وقال لخادمه : يا غلام
ما زيقيلم هذه ؟ فقال الخادم : وأنت ، ما صقعت العتاريف هذه ؟ فقال أبو علقمة :
معناها : أصاحت الديكة ؟ فقال له خادمه : وزيقيلم معناها : لم تصح
رحم الله صاحب الايقاعات السريعة**
حزنت لسماعي خبر رحيل زميلنا الصدوق العف أستاذ عبد المولي الصديق الذي زاملته في منتصف الثمانينات في هذه الصحيفة يوم كان الأخ محجوب عروة مالكا و رئيسا للتحرير فيها ، عبد المولي كان من طينة الصحفيين أصحاب القوب الكبيرة كان محبا للهلال بشوشا وسمحا في معاملته لكل من يقابله أسأل الله العظيم أن يرحمه رحمه واسعه ويجمعنا به في الفردوس الأعلى يوم الدين
*كاتب وصحافي مقيم في الدوحة 

سليم عثمان  
بؤس الولاية الشمالية 
*بقلم: سليم عثمان
مالذي يميز الولاية الشمالية عن غيرها من ولايات السودان ؟ البعض يرى أن الذي يميزها هو أنها ولاية تتمتع بقدر من الإستقرار الأمني ، لكن هذه الولاية لا تخلو من حوادث قتل بسبب الأرض من وقت لاخر فالأرض تعنى كل شئ لإنسان الولاية ، لكن ذات الأرض التى يتقاتل الناس عليها ويقتل فيها المرء أخيأه أو قريبه أو جاره ،تعجز في أن تطعم إنسان الولاية من جوع، لذلك تجد مواطني الولاية يجلبون معهم من العاصمة الخرطوم الخضر والفاكهة ، لأن من يتولون قيادتها منشغلون بأشياء غير تطوير القطاع الزراعي فيها أو استثمار هذه الأراضى التى تعد الأخصب على مستوى السودان، فتجد كثير من تلك الأراضي بورا بلقعا ، ورغم تمتعها بمناخ ملائم لانتاج الكثير من المحصولات البستانية والحقلية على مدار العام فهى لا تنتج شيئا يذكر ،ومن الأمور المبشرة أن التغير المناخي ساعد على أن تهطل الأمطار هذا العام بنسب لا بأس بها في الشمالية، الأمر الذي يمكن أن يساهم في دفع عجلة الزراعة هناك وقلنا في مقالنا السابق أن الزراعة في الولاية لم تستفد البتة من إنشاء سد مروي، فمنطقة زراعية خصبة كالسليم التى تنتج أجود أنواع الفول المصري ، والبقوليات مثل الحلبة والشمار والبصل والثوم وقبلها القمح، لم تستفد مشاريعها من كهربة السد ، بل فشلت حكومات الولاية المتعاقبة في تجميع الحيازات الصغيرة في السليم وغيرها لإنشاء مشاريع عملاقة، تخرج الولاية من حالها البائس، ورغم أن الولاية من ضمن ولايات البلاد التى تنخفض بها معدلات الجريمة ، الا أنها من أكثر الولايات طردا للإستثمار الزراعي والصناعي، وكان بالإمكان بقليل من الرؤية الثاقبة، والتخطيط العلمي الجيد جعلها الولاية الأولي للإستثمار العربي والأجنبي ، بالطبع ليس لكون واحد من أبنائها المسؤول الأول عن الاستثمار فقد أثبت الدكتور مصطفي عثمان اسماعيل فشلا كبير فى إدارة الاستثمار في البلاد، ولم يغير شيئا في قوانين الاستثمار أو الطريقة التى تدير بها الاجهزة الاستثمارية الاتحادية والولائية الاستثمار حيث الروتين والبيروقراطية والرشاوي هي من تجعل المستثمرين يحزمون حقائبهم ويولون الادبار بعد يوم أو يومين من قدومهم الى الخرطوم ، نعم لا استثمارات تذكر فى الشمالية ،رغم أن في دنقلا مطارا يمكن أن يصبح دوليا ،بقليل من الجهد أيضا ورغم ربط الولاية بطرق لا بأس بها بجانب ان الولاية تذخر بمياه جوفية وسطحية والنيل يشقها وصولا لمصر ورغم وجود سد مروى الذى يوفر 1200 ميقاواط من الكهرباء .الا ان الولاية لم تستفد منه حتي الان في المجال الزراعي وربما مواطنو الولاية لا زالوا في صدمة او فرحة إنارة منازلهم من كهرباء السد ،ونسوا أن الكهرباء إن لم تدعم قطاعي الزراعة والصناعة في الولاية فلا معني لوجود السد في أراضيها ،تتميز الشمالية أيضا بموارد طبيعية ومعدنية متنوعة ، فالذهب الذي هجر الناس بيوتهم اليه لم تستفد منه الولاية شيئا، ربما بعد سنوات سوف يشكو الناس من ظهور أنواع من السرطانات ما كانوا يعرفونها، بسبب التلوث الذي يصاحب عمليات التنقيب لهذا المعدن النفيس وانعدام معايير السلامة فيها ، ولا تستفيد الولاية من ميزة توفر المناطق السياحية والاثرية الجاذبة للسياح رغم أها تجاور بلدا عرف صناعة السياحة منذ زمن بعيد، و بقليل من الجهد أيضا بامكان الولاية أن تصبح قبلة للسياح ،ولكن المعالم السياحية في الشمالية كما هو الحال في سائر أرجاء البلاد بائسة جدا ،وهي بالطبع أشد بؤسا في شماليتنا رغم أن القطريين يبذلون جهدا مشكورا للنهوض بهذا القطاع المهمل، فهل تستفيد الشمالية من طريقين حديثين يربطانها بالشقيقة مصر؟ ام أنهما سينقلان الينا الأواني البلاستيكية وعدة المطابخ فقط؟ على حكومة الولاية أن تستفيد بتصدير منتجاتها ذات العائد المجزي الى مصر، بتنسيق مع المركز ، و لا يعقل أيضا أن لا تستفيد الولاية من المخزون السمكى فى بحيرة النوبة وبحيرة سد مروى ، فلو فكرت أن تأكل وجبة سمك شهية في أي من مدن الشمالية لما وجدت فارقا يذكر في سعرها عن أي بقعة سودانية أخري لماذا؟ اجابة السؤال نتركه لحكومة الولاية الرشيدة ، حكومة الولاية التى ما فتئت تحدثنا عن اهتمامها بأبنائها المغتربين ،وأنها تعمل على توفير السكن اللائق لهم باعت لهم أراض سكنية ( درجة ثالثة) في بعض مدن الولاية خاصة مدينة دنقلا ( مربع 28) ولم توفر أية خدمات أو بنى تحتية تذكر تمكنهم من بنائها، مما جعل البعض يفكر في بيعها بأبخس الاثمان ، وحتى ما تسميه الميناء البري ليس حتى الان سوى صحراء جرداء، ينقع فيها البوم،وهو ما يستدعي من الأخ والي الولاية وأركان وزارته أن يهبوا لإنقاذ ما يمكن انقاذه، ولو نزل أحدكم من بص يقله الى السوق الشعبي في دنقلا لكفاه ما يرى هناك من بؤس الحال، في أن يفكر في رؤية باقي مدن الولاية، التى تفتقد الى التخيطيط والتطوير والى كل شئ تقريبا دعك من حال الاسواق الأخرى ودعك من معاناة المزارعين المستمرة مع تمويل المواسم الزراعية ودعك من بؤس الجامعات والتعليم والصحة وأخشى أن يأت علينا يوم يا سعادة الأخ الوالي لا تجد فيه شخصا في طول الولاية وعرضها لتحكمه، فلمن يشتكي مواطن الولاية الظلم والأهمال الجاثم علي صدره؟ انهم أهلك وعشيرتك ورعيتك يشتكون من التصحر هنا وهناك يشتكون من الهدام الذي يأكل جزرهم، يشتكون من غلاء قطع غيار الوابورات، والجازولين وغلاء اسعار السلع الاستهلاكية، صعوبة تعليم ابنائهم ، علاج مرضاهم، فالمستشفيات فى حاضرة الولاية على سبيل المثال لا الحصر مستشفي دنقلا المسمي زورا وبهتانا بالتخصصي بؤس حاله من الداخل يغنيك عن السؤال عن بقية المنظومة الصحية في الولاية كلها ، يفتقر لكل شئ تقريبا ، ليس بوسع مرضى القلب ان يتعالجوا فيه حيث لا مناظير ولا رنين مغناطيسي ولا رسم للقلب يجدون فيه وجع القلب فحسب، كل التخصصات الحيوية والاطباء الاختصاصيون غائبون عن مدن الولاية فماذا تنظر سعادتك؟ باختصار هو مبني جميل من الخارج وزريبة بهائم اعزكم الله من الداخل ويجب نزع اللافتة عنه فورا .
*ركعتين بين كل لقمتين :
قال رجلٌ لبعضِ البخلاء : لِمَ لا تدعوني إلى طعامك ؟
فقال البخيل : لأنك جيد المضغِ ، سريع البلع ، إذا أكلتَ لقمةً هيَّأتَ أخرى !
فقال الرجل : وهل تريدني أن اصلي ركعتين بين كل لقمتين !
*أبو لهبٍ وأم جميل :
قال معاوية رضي الله عنه يوماً لأهل الشام ، وعنده عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه : هل سمعتم قول الله عزّ وجل : ( تبت يدا أبي لهبٍ وتب ) فقال الحضور : نعم سمعنا ، فقال معاوية إن أبا لهبٍ عمَ هذا الرجل وأشار إلى عقيل .
فقال عقيل : هل سمعتم قول الله عزّ وجل : ( وامرأته حمالة الحطب ) فقال الحضور : سمعنا . فقال عقيل حمالة الحطب عمة هذا الرجل وأشار الى معاوية.
*وجهك إلى ثيابك :
جاء رجل إلى الإمام أبي حنيفة النعمان وقال له : إذا نزعتُ ثيابي ودخلتُ النهر أغتسل فإلى القبلة اتوجه ام إلى غيرها ؟ 
فقال له الامام : الأفضل أن يكون وجهك إلى جهة ثيابك لئلا تُسرق !


*كاتب وصحافي مقيم في الدوحة

حذروا تمرد أهل الشمالية

  
أحذروا تمرد أهل الشمالية
بقلم: سليم عثمان
رجلان من منطقة دنقلا الكبرى ( دنقلا- القولد- البرقيق) ومعهم ثلاثة عشر كوكبا دريا ، يحاولون إدخال البسمة،الى نفوس مواطني الولاية الشمالية المكلومين، الرجلان هما السيد/ محمد بشير عثمان سمل ، رئيس الهيئة الشعبية لتنمية وتطوير منطقة دنقلا الكبرى والسيد/ جعفر ركابي مقرر الهيئة ، والتى إنشئت عام 2012 لهدف نبيل يتمثل فى حل المشاكل، وفض النزاعات المختلفة بالقرى والأحياء خاصة نزاعات الأراضى وما أكثرها بالولاية ، فضلا عن دعمها وتعاونها مع الحكومة ،لتطوير وتعزيز الخدمات التعليمية والصحية وغيرها بالمنطقة، فى ظل عدم إكتراث الحكومة بها ، تسعي الهيئة لحل مشاكل النزاعات التى كانت تقوم بها اللجان الشعبية ،المسنودة بقانون بال وغير متجدد ،من خلال ما يعرف بالجودية ، و نطاق عمل الهيئة يبدأ من دنقلا العجوز جنوبا ،مرورا بمناطق دنقلا العرضي وما جاورها، وصولا الى منطقة أبو فاطمة شمالا ، وقد دعت الهيئة لاجتماع محضور قبل أكثر من عامين ، لكن ناس الحكومة كعادتهم تخلفوا ولم يعتذروا عن عدم حضورهم، لكن مثلها في ذلك الاجتماع بعض الضباط الإداريين مما ينم عن تسفيه وعدم تقدير لرسالة الهيئة.
وفي ذلك الإجتماع تم تشكيل المكتب التنفيذي للهيئة ، من رجال قلوبهم على المنطقة،ممتلئون بحبها ،مشغولون بهمومها ،حيث تم إختيار (7 أشخاص) يمثلون محلية دنقلا و(4 أشخاص) يمثلون محلية القولد ، ومثلهم لمحلية البرقيق، وتم وضع دستور ولائحة أعمال للهيئة، وتسجيلها لدى مفوضية العون الإنساني بالولاية ، تهدف الهيئة أيضا الى الشوري وتبادل الرأي بينها والمسؤولين في الولاية ، بل ومساندة الحكومة والوقوف خلفها في الإحتفالات المختلفة، فضلا عن حملها لهموم مواطني المنطقة التى يمثلونها ، تشكلت الهيئة بعد أن عجزت اللجان الشعبية عن القيام برسالتها ، فحملها المكتب التنفيذي للهيئة الشعبية لتطوير منطقة دنقلا الكبرى، وبدأت الهيئة تطرق أبواب المسؤولين بابا بابا ، حاملة قضايا المنطقة في ملفات ، تنشد تعاون أولئك المسؤولين معها ، لحل مشاكل مستعصية أرقت مضاجع مواطني المنطقة ، وفى كثير من الأحيان كان المسؤولون يسدون أبوابهم فى وجوه رجال الهيئة !، وفى أحسن الأحوال يعدونهم ولا يوفون بوعودهم للهيئة !، وشعر رجال الهيئة بأنهم ببساطة أناس غير مرغوب فيهم ، بل علموا أن من بين مسؤولي حكومة الولاية من يصف هؤلاء الرجال الأمناء على قضايا المنطقة (بالطابور الخامس) هل يعقل أن يوصفوا بالطابور الخامس؟.
كانت كهربة المشاريع الزراعية ، من أولى القضايا التى سعى رجال الهيئة الى حلها ، كونها أهم أهم مفاتيح النهضة الزراعية فى الولاية ، جلس هؤلاء الرجال مع والى الشمالية الراحل فتحي خليل ، كان لا يكذب أهله أبدا ، وجدوه في مكتبه مع رئيس اتحاد مزارعي الولاية، وبيده قائمة بعدد المشاريع الصغيرة والكبيرة التى تمت كهربتها بالعون الذاتي ، فى مكتب الراحل فتحي خليل سمعوا خبرا يفرحهم مفاده : (أن الصندوق الكويتي للتنمية قد تبرع بمبلغ 50 مليون دولار لكهربة المشاريع الزراعية بالولاية الشمالية) وقد أطلع الراحل فتحي خليل رجال الهيئة الذين زاروه في مكتبه بمراحل ذلك التبرع ، ولكن الله قد إختاره الى جواره في حادث مروري أليم، في طريق عودته من مروي الى حاضرة الولاية فى دنقلا ، ويقول رجال الهيئة : أنهم لم يسمعوا بعد ذلك أى شئى عن ذلك التبرع!؟ ولكن عزيمة مزارعي الولاية وحرصهم على زراعة أراضيهم وتخضيرها ، مكنهم من كهربة عدد لا بأس به من تلك المشاريع ، نسوق على سبيل المثال لا الحصر مشروع الزورات الزراعي الذى تمت كهربته بجهود بعض أبناء الولاية الخيرين ، رغم التكلفة العالية، وكان رجال الهيئة يحملون ملفا اخر يخص مركز الكلى بدنقلا ، فى أعقاب تزايد عدد المصابين بالفشل الكلوي، ومختلف أنواع السرطانات في المنطقة، جلسوا مع وزير الصحة الولائي وقتئذ وحاوروه كثيرا عن المركز وأهميته ، وبإصرارهم تم جلب بعض الماكينات لغسيل الكلي، كإضافة لتلك العاملة في المركز ، والتى يقول رجال الهيئة: أنها تهالكت من فرط الضغط عليها ، بسبب تكاثر عدد مرضى الفشل الكلوي ، ولكن يا ترى لماذا يتزايد عدد مرضى الفشل الكلوي في المنطقة؟ رجال الهيئة يقولون : أن السبب الرئيسي يعود الى تلوث المياه في مدينة دنقلا ، حسب تقرير كتبته لجنة حماية المستهلك بدنقلا ، موجه للسيد مدير مياه الولاية، يطلبون منه إغلاق عدد تسعة ابار غير صالحة لشرب الادميين أعزكم الله، ولم يغلق الرجل تلك الابار والمياه ما تزال ملوثة ، ليس فى مدينة دنقلا فحسب بل بل المياه ملوثة فى كافة قرى الولاية التى تستخدم شبكات مياه جوفية ملوثة أعزكم الله بمياه المراحيض ، لا يوجد بالولاية كلها ما يعرف بشبكات الصرف الصحي ، كل القرى فى الشمالية تستخدم محطات مياه أقيمت بالعون الذاتي، بل ترفض هيئة المياه فى دنقلا تبعية تلك الشبكات القروية اليها حتى لا تتحمل تكاليف تشغيلها رغم أن المواطنون البسطاء فى تلك القرى يدفعون رسوم تشغيلها للجان الشعبية ، نعم تلك الشبكات كلها ملوثة ، لأن مياهها ببساطة تختلط بمياه الحمامات الشعبية التى تستخدم في كل البيوت ، وتفشل الولاية الشمالية وواليها ووزير صحتها ومدير المياه فيها الى أيجاد معالجة جذرية لمشكلة المياه وتدعو الهيئة الى إنشاء محطة نيلية تضخ المياه لكل قرى المنطقة.
حاضرة الولاية الشمالية دنقلا وما جاورها شمالا وجنوبا، يشرب مواطنوها مياها جوفية ملوثة ، ولا أدري لم لا تفكر الولاية في إقامة محطات لمياه الشرب في كل مدن الولاية الكبرى وقراها؟ أ م أن صحة مواطني الولاية لا تهمها ؟ هل إكتملت تلك الابار التى بدأ الحفر فيها فى كل من مراغة مربع 24 وحي دنقلا جنوب؟ نتمنى ذلك، رجال الهيئة أيضا يشكون من أماكن لبيع الغاز ويقولون أنها عن عبارة دكاكين عادية، لا تتوفر فيها أدني مقومات وإجراءات السلامة والأمان ، وليست عليها ضوابط ولا رقابة من جهات الاختصاص ، والمدهش والغريب والمحير فى ان أن هناك عدد خمس محطات وقود ، مجاورة لبعضها بشارع مطار دنقلا الزحف العمراني والمباني السكنية ملاصقة لها لا تبعد عنها الا امتارا قليلة ، رغم وضوح القانون الذي يشير الى ضرورة أن تبعد عنها في كل الاتجاهات ما لا يقل عن 150 مترا ، وهناك عدد فرنين يعملان بالغاز بحي دنقلا شمال وحي دنقلا جنوب، على شارعين رئيسين، والهيئة شكت لطوب الأرض ، ولكن لا حياة لمن تنادي ونحن بدورنا بدورنا الجهات المسئولة عن البيئة فى الولاية أن تهتم مع الجهات الرقابية والصحية بقليل من الإهتمام بحياة مواطني الولاية و أ ن تولى مثل هذه القضايا التى تبدو بسيطة، لكنها يمكن أن تتسبب فى كوارث كبيرة ، لا قدر الله، الهيئة، تشكو من الاهمال الشديد الذى يرزح تحته مستشفي دنقلا العريق ، الذي يقدم خدماته الرديئة لعدد محدود من المرضى ، ويبدو للزائر كمركز صحي متواضع، كل ذلك بسبب الاهمال، وهو على مرمى حجر من مكتبي الوالي ووزير الصحة، يفتقر المستشفي للبنيات الاساسية، مثل أجهزة رسم القلب والمناظير الحديثة ، والصور المقطعية وأجهزة الأشعة اكل عليها الدهر وشرب، وكذلك أسرة المرضى يمشى فوقها البق و الصراصير الحشرات والفئران ترتع فى فنائء المستشفى ، والفرش قذرة ودورات المياه سيئة ، وأغلبها مغلق وهناك تشقق في الجدران والأرضيات، لماذا لا تستفيد حكومة الولاية من جهود الهيئة لتنظيم نفير شعبي يشارك فيه كل مواطنو الولاية من أجل أن يعاد للمستشفي سيرته الأولى هل يغلق أن يكون مستشفى دنقلا وهو بهذا الشكل أن يكون مشفا تعليميا يفيد طلاب كلية الطب فى جامعة دنقلا لكي يتخرجوا أطباء يفيدون منطقتهم والسودان والإنسانية أشك فى ذلك ، المستشفى فقدت أهم كوادرها حتى أبناء البلد هجروها فعلى سبيل المثال لا الحصر الزميل الخلوق الأستاذ الدكتور محمد عثمان المشهور بالعمدة ، ترك المستشفى وهاجر وامل أن يكون قد عاد اليها ، بيئة المستشفى طاردة والمستشفيات الأخرى فى الولاية ليست بأفضل حال منها ، الأمر برمته يحتاج الى أعادة نظر لا لشئ الا لمصلحة صحة مواطن المنطقة المغلوب على أمره ، كيف حال بقية المستشفيات على سبيل المثال مستشفى البرقيق ومشو والغابة والقولد والدبة ، ربما القطاع الصحي فى المنطقة الجنوبية افضل حالا من القطاع الصحي فى المنطقة الوسطيي والشمالية من الولاية وليس هذا بجهد الوالي ووزير الصحة إنما بجهود أبناء تلك المنطقة كما أن قيام السد قيض لها أن تكون فيها مستشفيات راقية نوعا ما ، تمنيت لو أغلق سعادة الوالي مستشفى حتى لا يسئي الى صورة الولاية ، المصاعد الكهربائية فى المستشفي لم تعمل رغم أنه ثلاثة طوابق ، مجلس الامناء هو الاخر فشل في إنقاذ وضع المستشفي المتدهور يوما بعد اخر ، نعم قلة الميزانيات مشكلة ، نقص الاطباء الاختصاصيين مشكلة، نقص الكوادر الطبيبة الاخرى المساعدة مشكلة ، ضعف أ جور العاملين فى المستشفى مشكلة، النظافة مشكلة ، كل شئ فى هذا المرفق الحيوي مشكلة ، ولا أ حد يهتم به وهو ما حدا بكثير من المرضى للسفر الى الخرطوم، بل الى الخارج طلبا للإستشفاء وعما قريب سوف يسافرون الى مروي بحثا للعلاج وهذا أخف الضررين ، فأين أنت يا سعادة وزير الصحة فى الشمالية من هذا التدهور المريع فى القطاع الصحي برمته فى الشمالية؟ بعض الخيرين من أبناء الزورات أقاموا مركزا صحيا راقيا فى كلمسيد ولا زالوا يقومون بتسييره مشكورين ووزارة الصحة فى الولاية لا تقدم له أي دعم، نعم وهكذا هى تفعل مع كل المرافق الصحية فى الولاية التى اصبحت بائسة بشكل مزر للغاية .على كل أخشوا غضب الرب وأحذروا تمرد أهل الشمالية 
دعاء إبليسي :
سمع أبو يعقوبُ الخريمي منصورَ بن عمار صاحب المجالس يقول في دعائه :
اللهم اغفر لأعظمنا ذنبا ،
وأقسانا قلبا ، 
وأقربنا بالخطيئة عهدا ،
وأشدنا على الدنيا حرصا . 
فغضب أبو يعقوب وقال له : 
- امرأتي طالق إن لم تكن قد دعوت لإبليس !
بصر وبصيرة :
دخل عقيل بن أبي طالب على معاوية وكان عقيل كفيف البصر فقال له معاوية مواسيا :
- أنتم يا بني هاشم تصابون في أبصاركم . 
فرد عليه عقيل :
- وأنتم يا بني أمية تصابون في بصائركم ! 
تصحيح الصحيح :
نظر أحد المغفلين الى منارة جامع شاهقة الارتفاع فقال : يا الله ! ما كان أطول الناس الذين بنوا هذه العمارة !
فقال له صاحبه الأحمق : اسكت ما أجهلك ،أ يوجد في الدنيا أحد بطول هذه المنارة ؟ إنما بنوها على الأرض ثم رفعوها
الترابي.. الرحيل المر
رحيل الشيخ العلامة  الدكتور حسن عبد الله الترابي يكون  قد هوى للعلم نجم ، وانطفأ للمعرفة سراج ،
كما قال رسولنا الامين عليه افضل الصلاة واتم التسليم "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالماً اتخذ الناس رؤوساً جُهّالاً. فسئلوا فأفتوا بغير علم ؛ فضلوا وأضلوا.  (متفق عليه)
نعم هم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء، ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله عن العلماء
: حاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض من طاعة الآباء والأمهات بنص الكتاب
لم يكتسب الراحل الشيخ الدكتور حسن عبد الله الترابي  احترام خصومه قبل أنصاره لمواقفه السياسية الجريئة والثابتة فحسب، بل وأيضا لأنه كان على درجة رفيعة من الثقافة والوعى والتفكير الديني المستنير على الاجتهاد ليظهر كفقيه شديد الوعي  يرتقى بمعاني ورسالة الإسلام النبيلة، وصف الفقيد  بأنه كان مفكرا  إسلاميا من طراز فريد  وسياسيا المعيا ذكيا، وفقيها دستوريا شهيرا، وصفه الحزب الشيوعي السوداني في بيان بعيد وفاته مساء السبت 5/3/2016عن عمر ناهز ال84 عاما ، بأنه مفكر وطني، وقائد حقيقي ، فيما وصفه  صهرة الإمام الصادق المهدي ( شقيق زوجة الراحل - وصال المهدي ) أنه عالم فذ جمع بين العملين  السياسي والفكري  وأن رحيله عظه للجميع ، وصفه الشيخ الدكتور القرضاوي: بأنه عالم مجتهد ، وعدد كثيرون مناقبه وابحروا في سيرته العطرة لكن  الحديث عن مناقب وسيرة رجل في قامة الشيخ الدكتور الترابي لتلميذ مثلي صعب ، ولكننا على أية  لا نقول الا ما يرضي الله ،  فقد حفظ الفقيد  القران الكريم في صغره بعدة قراءات ، وتعلم علوم العربية والشريعة على يد والده ، كان رحمه الله مهموما بقضايا الوحدة الاسلامية والحرية ، وقد ظهرت حنكته ونباهته السياسية ، وهو ما يزال شابا  صغيرا، حينما اقتحم غمار العمل السياسي، وكان أحد رموز ثورة أكتوبر المجيدة ، 1964ولعل مما ميزه عن أقرانه من رموز الحركة الاسلامية في المشرق العربي  ومغربه هو إنتقاده أسلوب التربية بالتلقين في صفوف كوادر الاخوان ،عوضا عن الحوار والمناقشة، وكان رحمه الله مؤمنا بالتغير الذي تصنعه الدولة في سلوك الافراد، لعله كان يقتفي أثر المقولة الخالدة:( إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزعه بالقران)اهتمامه بوحدة المسلمين قاطبه تجلي في سفر رصين خطه بعنوان - قضايا الوحدة والحرية ، فضلا عن سعيه الدؤوب لتحقيق هذا المشروع النهضوي الكبير، حيث  كان الفقيد مؤسسا  للمؤتمر الشعبي العربي الاسلامي في الخرطوم 1991 والذي كان يضم رموز اسلامية ويسارية من أكثر من 45 بلدا  في العالم،  كان من بينهم الراحل الشيخ أسامة بن لادن ، و أيمن الظواهري واخرين كثر ، في اخر خطبه خطبها بمسجد القوات المسلحة بالخرطوم، قبل يوم واحد من انتقاله الى الرفيق الأعلى، بحضور الرئيس السوداني عمر البشير، أكد على أهمية الوفاء بالعهود  السياسية وغيرها، وقبلها بأيام قليلة  كان يعرب عن أمله في أن يرى السودان امنا مستقرا وسائر بلاد المسلمين ، كان رحمه الله يعمل من أجل  الصفين الوطني والمسلم والاسلامين في السودان، ولعل في عودة نائبه الدكتور على الحاج محمد من برلين في المانيا  الى الخرطوم لتقديم واجب العزاء في الفقيد فرصة لدفع الحوار نحو توحيد كيان الحركة الاسلامية في السودان، فقد رحل الشيخ الترابي بعد أن بني بنيانا قويا يقوم على دعائم قوية ،  وستظل المدرسة الترابية متجذرة في تربة السودان ما بقى تلاميذه وفكره ، والأمل كبير في أن يتمكن اخوته في المؤتمرين الوطني والشعبي في رأب صدع كاد أن ينسف كل الانجازات التي بنوها، والرجل على زعامة الحركة الاسلامية ، إن المحن التي تعرض لها الشيخ الترابي أكثر من أن يعدها المرء أو يحصيها القلم في مقال ، فقد أوذي الرجل كثيرا من تلامذته وخصومه على حد سواء ، وقبل سنوات تعرض  الى لكمات قويات من  ملاكم سوداني في مطار اتاوا في كندا وهو الشيخ الكهل، ولم يراع ذلك الرجل مفتول العضلات سن الرجل وشيخوخته ،مما سبب له اذي جسيما  في دماغه، وكانت سنوات سجنه في بورتسودان هي الأشد على قلبه وجسده  فقد أصيب فيها برطوبة في القلب ، وأن يصاب رجل في سن الشيخ  الترابي  بأمراض القلب وغيرها أمر طبيعي ، لكن مع كل ذلك كان الرجل نحلة وشعلة متقدة من الحماس، وكل من عرفه وجايله يشهد له بأنه كان ذو ذهن متقد،  كان رحمه الله دائم التفكر والتأمل حتى إن كثيرين من الساسة  في بلادي ما كانوا يستطيعون استيعاب مبادراته واطروحاته الجريئة في المجال السياسي، كان الشيخ الترابي علامة متبحرا في دنيا الفكر واستاذا بارعا في السياسة سواء اتفق الناس حول أدائه أو اختلفوا ، وكونه يثير كل هذا الغبار الكثيف حتى لحظة توقف قلبه الكبير يدل بوضوح على أنه لم يكن سياسيا عاديا ولا مفكرا تقليديا ، ولا فقيها دستوريا فحسب بل كان رحمه الله أمة من الرجال ندر إن نجد مثله ، وبوفاته تكون الامة الاسلامية قاطبة فقدت فارسا ما كان يشق له غبار .
عشرات اللقاءات جمعتني بالشيخ الترابي كتلميذ وصحافي ،  وتصريحات عديدة  نقلتها عنه وأذكر ذات ليلة في منتصف الثمانينات ذهبت  في معية الاستاذ محجوب عروة رئيس تحرير السوداني الدولية حينها ،وكنت محررا صغيرا يومها ، ذهبنا سويا الى منزله العامر في المنشية وخصنا بتصريح قوي، ثم رافقته في رحلة استمرت لأكثر من اسبوع   بالسيارات من الخرطوم مرورا الى مروي ثم كريمة والقري المجاورة لهما ثم كورتي والقري المجاورة لها وصولا الى الدبة حيث نزلنا في منزل الدكتور الصيدلي صلاح قيلي متعه الله بالصحة والعافية ، الرحلة كان فيها الراحل الشيخ محمد محمد صادق الكاروري، الشيخ الراحل يسن عمر الامام عليهما الرحمة وعددا من مشايخنا الاجلاء من قادة الجبهة الاسلامية القومية، كنت وقتها  أمثل جريدة السوداني في الرحلة فيما كان الزميل الدكتور سراج الدين عبد الغفار يمثل جريدة الراية، وكانت الزيارة الى تلك المناطق في أعقاب سيول وفيضانات 1988 التي دمرت العديد من بيوت المواطنين ، وعقد الوفد عشرات  اللقاءات والمهرجانات الخطابية كان الدكتور الترابي بحق نجمها وفارسها الأوحد ، وكم كنت مبهورا بلغته الرفيعة حينا والبسيطة حسب مقتضى الحال أحيانا اخرى، وما كان المرء يخطئ بريقا في عينيه وهو يخاطب في كل مكان جموعا هادره كانت تزحف لسماع خطبه، كان نشطا وذا همة عالية ، يقف الساعات الطوال يخطب دون كلل أو ملل، وقد كانت تلك الرحلة واحدة من اسباب  احترامي وتقديري للرجل وعلمه وفصاحته وقوة عزيمته، وقبلها بنحو عامين كان الرجل في زيارة لمدينة دنقلا حاضرة الولاية الشمالية ، على راس ثلة من قيادات الجبهة الاسلامية مبشرا بميلادها قبيل الانتخابات التي جرت حينها في البلاد، وجاء ترتيبها ثالثا، بعد الامة والاتحادي الديمقراطي كان في الوفد عدد من رموز الحركة الاسلامية،أذكر منهم  الراحل بروفسير أحمد على الامام  الدكتورة سعاد الفاتح والدكتورة لبابة الفضل ، والشيخ أحمد عبد الرحمن محمد، والشيخ عبد الجليل النذير الكاروري، والدكتورة حكمات حسن سيد أحمد، وغيرهم  وقد أبهر الترابي أكثر من عشرة الاف مواطن ومواطنة جاءوا من مناطق دنقلا كلها، وربما بفضل تلك الليلة فازت الجبهة بدوائر دنقلا الثلاث ، حيث فاز البروفسير أحمد على الامام في دائرة دنقلا الوسطي، فيما فاز الاستاذ حسن ساتي في دائرة  دنقلا الجنوبية - القولد وفاز الدكتور عبد الوهاب عثمان يرحمه الله في دائرة دنقلا الشمالية ارقو والحفير.
 يحزن المرء لرحيله الترابي  ولكنه قضاء الله النافذ في كل أحد منا
وكل إبنأنثي وإن طالت سلامته يوما على اله حدباء محمول
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوان
وتجاوزت شخصية الترابي حدود العمل السياسي بكل مفاجآته وعواقبه، ليصنع من نفسه داعية ومفكرا له تأثيره  الطاغي على الخاصة و العامة، ليس في السودان فحسب وانما في العالم العربي والاسلامي والغربي أيضا ، وكان معروفا لدي الدوائر الاعلامية ومراكز البحوث العالمية كمفكر واسلامي وسياسي بارز،  فصار من أشهر قادة الإسلاميين في العالم والمجتهدين على صعيد الفكر والفقه الإسلامي المعاصرين، وترجم ذلك في مؤلفات عديدة لعل ابرزها  تفسير القرآن، وأصول الفقه، فضلا عن كتب كثيرة أخرى في مجالات الإصلاح الإسلامي، وعدة رؤى فقهية مثيرة للجدل من أبرزها، فتواه بإمامة المرأة للرجل في الصلاة، وإباحة زواج المرأة المسلمة من أهل الكتاب
وكانت بداية  الشيخ الدكتور حسن الترابي رمز المعارضة السودانية ورئيس المؤتمر الشعبي في دراسة الحقوق بجامعة الخرطوم منذ عام 1951 حتى 1955، ثم حصوله على الماجستير من جامعة «أكسفورد» عام 1957، ودكتوراه الدولة من جامعة «سوربون» بباريس عام 1964، ثم قدرته  مع مرور السنين، وبحكم شغفه بالعلم والمعرفة، اتقان  4 لغات بفصاحة وهي العربية، والإنجليزية، والفرنسية، والألمانية.
وصار الترابي أستاذا في جامعة الخرطوم ثم تم تعيينه عميداً لكلية الحقوق بها، لتكون هذه لحظة ميلاد حياته السياسية قبل أن يحظى بثقة السلطة ويتقلد منصب وزير العدل في السودان عام 1988، ثم وزيرا للخارجية وصولا إلى اختياره رئيساً للبرلمان السوداني عام 1996، سيرة الفقيد  تحتاج لمجلدات حتى نوفيه حقه.
كان  الترابي أيضا نصيرا كبيرا للمرأة ويكفي أنه منح المرأة حق الانتخاب والترشيح لكافة المناصب في المجالس التشريعية والمحلية بما في ذلك منصب رئيس الجمهورية مع التأكيد على المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة واقر بحقها في الوصول لأرفع المناصب القضائية في دستور1998  ومن حسن الصدف انه مات في اليوم العالمي للمرأة.
وهاهو الموت يطوي السنوات  التي نيفت عن الثمانين من عمر شيخنا الفقيد  ليستريح من رهق الدنيا وأوصابها  رحم الله الترابي فقد رحل قبل ان يوحد اهل السودان والاخوان ،رحم الله الشيخ الترابي رحمة واسعة وغفر له ذنوبه  ونفع الله بعلمه الناس جميعا انا لله وانا اليه راجعون ولأسرته وتلاميذه واخوانه ومحبيه في الداخل والخارج  ولكل أهل السودان خالص العزاء.

- See more at: http://www.alnoor.se/article.asp?id=297054#sthash.54H0ofZu.dpuf
حوار مع الصحفي السوداني/ سليم عثمان أحمد خيري


من قلم سليم عثمان احمد خيري تنثال النصوص و تومض رؤاه حتى تبتلّ كتابته بفكره المتوقد...يكتب إيمانا و احتسابا بالإنسان و الإنسانية... ينسف الصمت مؤمنا بحرية التعبير و ضرورة انفتاح الرأي على الرأي الآخر...كان لنا معه الحوار التالي:
*في البدء، هل يحدثنا سليم الكاتب عن سليم الإنسان: نشأته/بداياته/مسيرته ؟

شكرا لك أختي الأديبة الرقيقة عزيزة رحموني لإتاحتك لي هذه الطيبة للتعريف بشخصي الضعيف ، سيدتي بإختصار شديد إسمي سليم عثمان أحمد خيري(شهد)من زيتونة مباركة تخلقت وأستطالت وأورقت وأخضرت أطرافي ومن عطرتلك الزيتونة المباركة جرى دمي وتفجر، أنا شقيق الفجر المسجّي على خدّ الأفق الوردي. فىتلك القرية الوادعة الرابضة على خدّ النّيل الغربي ،ذلكم النهر الهادر الفيّاض شمال مدينة دنقلا بالولاية الشمالية أقصى شمال الزورات ، أطلعت كما نخل أخضر باسق فى أحد صباحات تلك القرية الوادعة عام 1966 بعد تمنع من عيني لمعانقة النّور لمدّة سبعة أيام حسوما وحينما أبصرتا النور للمرة الأولى داخل مستشفى دنقلا التعليمي ولم يكن تعليميا يومذاك أشارت القابلات (الممرضات )على والدتي بأن تسمّيني سليما،لأن معاناة مخاض أسبوع كامل تستحق ذلك ..وبالفعل فقد سُمّيت بهذا الإسم الذي لازمني الى يومي هذا مع العلم بأن عدد من تسموا به فى السودان قليل جدا والغريب أن السّليم فى القاموس المحيط هواللَّديغُ، أو الجَريحُ الذي أشْفَى على الهَلَكَةِ، بل والسّالِمُ من الآفاتِ وفى لسان العرب ،امرأة عاتكة: مُحْمَرَّة من الطِّيب، وقيل: بها رَدْعُ طِيبٍ، وسميت المرأَة عاتكة لصفائها وحُمْرتها وفي الحديث: قال، صلى الله عليه وسلم، يوم حنين: أَنا ابن العَواتك من سليم والعواتك: جمع عاتكة، وأَصل العاتكة المُتَضَمِّخة بالطيب. والعواتك من سليم ثلاث يعني جداته، صلى الله عليه وسلم، وهنّ عاتكة بنت هِلال بن فالَج بن ذَكْوان أم عبد مناف بن قصيّ جدّ هاشم، وعاتكة بنت مُرّة بن هلال بن فالَج بن ذكوان أُم هاشم بن عبد مناف، وعاتكة بنت الأَوْقَص بن مُرَّة بن هلال بن فالَج بن ذكوان أُم وهب بن عبد مناف بن زُهْرة جد رسول الله، صلى الله عليه وسلم وقال الشاعر:
وطِيرِي بمِخْرَاقٍ أشمَّ كأنه ... سليمُ رِماحٍ لم تلده الزَّعانِفُ .
هكذاهمس خيال تلك القرية الكبيرة الوادعة التى تسمى الزورات فى أذنى ساعة بزوغه بمسقط رأسي حلة (شهدي)حين أرخي ليلي الأول عباءته على وجهي والتحم بروحي وعزف من قيثار غاياته ،عشت طفولة عادية فى تلك القرية البسيطة ، بساطة أهلها، وسط إخوان ثلاث أنا رابعهم وأصغرهم وأخت وحيدة تصغرني، فقدت والدي وأنا لم أدخل المدرسة الأبتدائية بعد ،بالطبع لم يكن فى قريتي وقتذاك حضانة أو روضة أو (كجي ون وتو) حتى أنتقل منها للمدرسة،نشأت فى بيئة زراعية خضراء للغاية ،نخيل باسق يكاد يعانق السماء على ضفاف النيل ،ونبات ذرة وقمح يتمايل مع النسيم العليل، يقطر الندى ليبلل أوراقه مع الصباحات الندية، التى طالما حدّثتني عن صبابات الورد وتوق الندى وإنبثاق الوجد فى طقس الليالي ،وكان بالقرب منا بستان وريف مزهرمليئ بشتى أنواع الفواكه ،من مانجو وليمون وبرتقال ويوسفي ورمان ورطب جني ودوم،كانت بداياتي نحو الحياة فى تلك القرية الجميلة كبدايات كل أقراني ،حيث مشيت خلف أغنام الأسرة راعيا لها فى صغري، كنت صديقا للنّهر العظيم الذي كان منزلنا العامر يرقد فى حضنه،تعلمت السباحة فيه وأنا صغير بل كنت من القلائل الذين عبروا الى الضفة الشرقية سباحة فى نهار شاتٍ،رغم تحذير الأهل لي من التماسيح التى كانت تتتكاثر فى تلك المنطقة، وتيارات النهر الجارفة فكثيرا ما تنامى الى سمعي أنها التهمت أناسا، وقد رأيت أكثر من مرة تمساحا أبيضا طويلا ،كان ينام أسفل تلّة لا ترتفع عن الأرض إلا بنحو نصف متر ،وكان ينزلق الى النهر حينما يشعر بوقع أقدام الماعز والضأن التى كنت ارعاها تقترب منه ، وحتى يومي هذا لم ار تمساحا لونه أبيض ،وفى المدرسة الإبتدائية كنت من المميزين،وكنت أحب اللغة العربية،بل كنت أقوم بحفظ الأناشيد أثناء الحصة ،وكنت بارعا فى تلحينها، واذكر أن ميولي نحو مهنة البحث عن المتاعب ظهرت من خلال نشيد فى الصف الثالث الإبتدائي شدّني خاصة بيت منه يقول :
انني طفل صغير اتخذت العلم نورا
يا ترى ماذا أصير عندما أغدو كبيرا؟
هل ترى أغدو أديبا أو صحافيا شهيرا؟
وفى مدرسة جرادة المتوسطة وهي قرية أخرى جميلة تجاور قريتي من ناحية الجنوب صِرت مولعا بالجمعيات الأدبية ومشاركا رئيسيا فيها بل تفتقت فى تلك المرحلة هواية وموهبة قراءة نشرات أخبار كوميدية هزلية ساخرة،وفى تلك المرحلة بدا لي أنني يمكن أن أكون فنانا وبدأت بالفعل فى تقليد بعض الفنانين، سرعان ما جذبني أصدقاء أعزاء الى تيار الإسلام السياسي (جماعة الإخوان المسلمين بقيادة الدكتور حسن الترابي) وحينما وصلت الى مدرسة دنقلا الثانوية فى بدايات الثمانينات وكان يومذاك من كبريات مدارس السودان كان قد تمَّ تجنيدي عضوا فاعلا فى صفوف الحركة الطلابية الإسلامية بل وأصبحت ثاني رئيس لاتحاد طلابها خلفا للزميل عبد المنعم سليم الذي أستقال بعد أشهر قليلة من انتخابه، وفى تلك المرحلة أيضا ظهرت قدرات خطابية لي ، تخرجت فى كلية الإعلام تخصص صحافة ونشر بامتياز من جامعة أمدرمان الإسلامية، وكانت أولى الصحف التى عملت فيهاعام 1986 هي صحيفة السوداني لصاحبها ورئيس تحريرها الأستاذ محجوب عروة ،ولا تزال حتى الان تصدر بعدما غادرها عروة، وكانت صحيفة السوداني قد أوقفت ضمن صحف أخرى صبيحة انقلاب المشير عمر البشير فى 30 يونيو 1989 ثم عملت في (صحيفة الإنقاذ، لسان حال الثورة ، وبعد حلّها عملت في صحيفة السودان الحديث لأشهر معدودة قبل أن التحق بصحيفة الأنباء وهي الصحيفة التى جمعت معظم محرري ومحررات صحيفتي الإنقاذ والسودان الحديث ، ثم غادرتها الى صحيفة الأسبوع لمالكها ورئيس تحريرها الزميل الدكتور محي الدين تيتاوي ، ثم انتقلت الى صحيفة الشارع السياسي لصاحبها ورئيس تحريرها الزميل الأستاذ محمد محمد أحمد كرار،حيث عملت فيها مديرا أول للتحرير، قبل أن أجرب العمل التلفزيوني فى فضائية السودان محررا بالإدارة السياسية ومديرا لتحرير مجلة فضاءات دولية،وهي مجلة ثقافية تصدر عن مؤسسة التلفزيون،وقت ان كان المهندس الطيب مصطفى مديرا للتلفزيون السوداني ،هجرت السودان بل غادرته شتاء 1999 رفقة حرمي المصون الأستاذه فاطمة ميرغني التى أختيرت معلمة لمادة الرياضيات وقتذاك ولا زلت مقيما بالدوحة لي من الأبناء الاء طالبة بكلية الصيدلة جامعة قطر ومحمد يستعد لدخول الجامعة هذا العام وإيلاف اكملت الصف الأول الثانوي وأحمد أكمل الصف الخامس واخر العنقود ايات اكملت صفها الرابع الابتدائي ،أمارس الصحافة بصفة الإحتراف منذ عام 1985ووقتنا الذي لاندركه دوما يستحثنا لأن نخطوتجاه الضياءوأن نمحو من ذاكرتنا كل ألم وحزن وأن نحرث ونبذر ونصلّي حتى ينهمر مطر الروح فتتفتق وينتفض الأخضر فى دواخلنا ويتطاول ليعلن صحوة مرتجاة،، يستحثنا يومنا الذي لا نعبره أن نفهمه وأن نغنيه أغنية فى الصباح وفى المساء،هذا ؟ بأختصار يا سيدتي .
*سليم عثمان كيف يُقَطّر ورد الأنفس الحيرى ؟
ورد الأنفس الحيرى مقال كتبته حول كائن رقيق شفيف لا يزال يشغل الناس والدنيا وسيظل الى أن يرث الله الأرض ومن عليها كتبته عن المرأة (الأم ، الأخت ، الحبيبة،ملهمة الشعراء والفنانين، يكفي أن أشير هنا الى فقرة صغيرة أوردتها فى ذلك المقال وهي:
قال ابو جعفر البغدادى :كان لنا جار وكانت له جارية جميلة وكان شديد المحبة لها ،فماتت فوجد عليها وجدا شديدا ،فبينما هو ذات ليلة نائم إذا أتته الجارية فى نومه ،فأنشدته هذه الأبيات:
جاءت تزور وسادى بعد ما دفنت... فى النوم ألثم خدا زانه الجيد
فقلت قرة عينى قد نعيت لنا ... فكيف ذا وطريق القبر مسدود
قالت هناك عظامى فيه ملحدة ... تنهش منها هوام الأرض والدود
وهذه النفس قد جاءتك زائرة ... فاقبل زيارة من فى القبر ملحود
والمرأة بإختصار هى كل شئ فى الحياة والذين لا يرونها هكذا نقول نذكرهم بقول ايليا أبو ماضي:
أيهذا الشاكي وما بــك داءٌ كيف تغدو إذا غدوت عليلا
إن شرَّ الجناة في الأرض نفسٌ تتوقَّى قبل الرحيل الرحيلا
وترى الشوك في الورود وتعمى أن ترى فوقها الندى إكليلا
والذي نفسه بغير جمـــالٍ لا يرى في الوجود شيئاً جميلا
فتمتع بالصبح ما دمت فيـه لا تخف أن يزول حتى يزولا
ولمن أراد الإطلاع على مقالنا ذاك حول المرأة بعنوان( ورد الأنفس الحيرى ) نحيله الى هذا الرابط لقراءته:
http://alnoor.se/author.asp?id=2235
*إذا كان العالم مجنونا و وحدك العاقل، كيف تتصرف و كيف تنتج حكمة تلُمّ شمل الجميع؟
العالم الذي نعيش فيه اليوم لاشك هو عالم الجنون بإمتياز، فما يحدث فيه من تقتيل للأبرياء فى سوريا وفى العراق وفلسطين وأفغانستان، وغيرها من البلدان شئ يشيب له الولدان ، عالم لا تسوده الرحمة ولا الحكمة ولا المنطق السليم ،عالم القوي فيه أكل والضعيف مأكول ،عالم تضهدنا فيه الليالي وتهمي علينا من كآبتها وحزنها ما تعجز صدورنا على تحمله، فنتركها تحفر فيها وتحط ما يلذ لها من أوجاع ، ولذلك يقول المثل عندنا: (المجانين فى نعيم) لأنهم لا يحسون بما يجري حولهم ، لم أستثن نفسي من هذا الجنون ،بقدرما حاولت أن أسخرمنه ،ومع ذلك نقول: مرحى لطقسنا الجنوني ،مرحى لنا حين نخلع ثوب التعقل ونلوذ بجبال الدهشة والحيرة المشتهاة ، نحاول فى هذا الزمن الضبابي -بل الأسود -الإرتداد إلى الزمن الأول الجميل ،زمن البراءة والطيبة والنقاء ،قبل تشكل وعينا الأول ، قبل أن تسمرنا القوانين والمثل، التى داس عليها الكل حُكّاما ومحكومين (بالنّعال) أعزكم الله ،قبل أن نصلب بالواجب والممكن والمفروض ،قبل أن تهترئ ذواتنا من الجلد ، يا لهذه النفس يا لعذاباتها التى لا تنتهي يا لصهيلها الذي لا يهدأ، فى زمن كهذا يتساءل المرء من أين لنا ببذور خضراء نزرعها فى يباب أيامنا الفالتات ؟ أحلامنا ما عادت زوادة فى لهيب أيامنا هذه ما عادت تروي الظمأ ولا ذكرياتنا التي جفّت كينابيع مياهنا ما عدنا نستقي منها الإ الجفاف نتداوى به ونصفه للمرضي المحزونين فى كل مكان فيزيدهم حزنا ويحيلهم هياكل من وهن كما يحيلهم رصاص الحكام الى رماد ، لعل الرحيل شفاء ، اه ما أقسى الجفاف فى الزمن الضنين المجنون هذا وما أحلى الجنون ساعة مولده فى الذات فلا ممكن الا هو يحيل الايام الاليمة الى صفاء والوعي المعذب الى التلاشي ، ليس هناك عاقل واحد يمكن أن يجمع شمل امة مجنونة أمة هى خير أمة أخرجت للناس ولكنها للأسف أصبحت أمة عاجزة كل العجز لتتسامي وتضع نفسها حين أراد خالقها لها .
* إذا أُهديتَ قارورة حِبر، لكن الومضة لم تجئ، ما تفعل ؟
فى أيامنا الحالكات هذه الومضة دائما لا تأتي،فلو أراد كاتب أن يكتب مقالا ما مثلا يمزق الورقة التى يسودها عشرات المرات قبل أن يكتب شيئا مفيدا ، لانه مشتت الذهن، مشوش الخاطر، واهن العزيمة، خائف مرتعش مرتجف، من رقيب حقيقي، يمنعه من تناول هذا الموضوع أو ذاك ، بل يلجمه رقيب تربّى وسكن دواخله، فحينما يكون كل ما حول المرء مجنونا ،وحريقا كبيران يسكب المرء قارورة حبره فى انتظار أن تومض فكرة جديدة وتختمر فى ذهنه حتى يسيل بها يراعه، حتى الشعراء لم يعودوا قادرين على التعبير عما يجول بخواطرهم قريضا لان ليلهم أمسى بلا وجوه ولا أحاديث تسر ولا سمر ليل بلا أقمار ليل مدفوع الثمن ليل مفتتح رحيله الى مدائن لم تبن بعد مدائن بلا عيون تجلجل فيه ضحكة إمرة ضيّعت مسارها وتكاد تضيع شرفها ساعة تجرعت قهوتها بين الصحاب أنة ذئبة باحت للذئاب بسرها .
* السودان بلد ثري بترابه و سواعد أهله ، لكن اقتصاده يظل هشا لماذا؟
السودان منذ فجر إستقلاله فى حروب لا تنتهي فبعد حرب ضروس قضت على أخضر ويابس السودان أستمرت منذ عام 1955 أو قبلها بقليل فى جنوب السودان مات فيها قرابة مليوني مواطن سوداني قضت اتفاقية وقعت فى منتجع نيفاشا الكيني عام 2005 بأن تضع الحرب أوزارها وبمنح مواطني الجنوب حق تقرير مصيرهم إنفصالا أو وحدة مع السودان، وقد اختاروا الإنفصال وأسسوا دولة لهم فى ثلث مساحة السودان وبربع موارده وتكمل الدولة الوليدة عامها الأول هذه الأيام ، كان هذا فشلا طبيعيا للنخبة السودانية المثقفة والسياسية،وللأسف الشديد لم يجلب الإنفصال سلاما لشطري السودان الشمالي والجنوبي،فقبل شهر كانت الحرب على أوجها بين البلدين، وأوقفت دولة الجنوب ضخ نطفها عبر أنابيب الدولة الأم بسبب عدم الإتفاق على سعرهذه الخدمة بين البلدين، الان هناك حرب تدور فى دارفور و النيل الأزرق ،وجنوب كردفان، فى وقت تمضي فيه مفاوضات بين السودان وجنوب السودان على ظهر سلحفاة لتبحث جملة من القضايا العالقة والشائكة كقضايا الحدود والأمن و تقاسم المياه والجنسية والنفط معلوم ان 75% من نفط السودان آل الى الدولة الجديدة، السودان كان واحدا من اكبر بلدان القارة السمراء مساحة بل كان الأكبر على الإطلاق،بلد غني بموارده وخيراته المتمثلة فى أراض خصبة مدّ البصر تنبت حتى الحصي،يشقه أطول أنهار العالم نهر النيل، لديه مئات الملايين من رؤس الانعام(أبل ، ضأن ماعز أبقار) وثروات غابية وصمغ عربي ومع ذلك يستجدي السودان قوت مواطنيه من خلف البحار،مشكلة السودان تكمن فى النخبة التى لم تعرف بعد أكثر من نصف قرن الحروب كيف يتم التداول السلمي للسلطة بل كيف يتعايش اهله بنفوس طيبة فى هذا الفضاء الأفريقي الكبير،والى أن يقيض الله لهذا البلد خيرة ابناءه للنهوض به سنعمل ما بوسعنا حتى نساهم فى التغيير المنشود،لكن السلطة الإنقاذية الحاكمة حاليا لا تسمح حتى بمجرد نقد رموزها فى وقت يستشري فيه الفساد وينخر فى كل جسد الدولة وفى وقت يقترب الجوع الى بطون السواد الأعظم من أطفاله، هذا قدرنا وعلينا مواجهته بشجاعة وحكمة.
*كيف يساهم مثقّفوا السودان في حل مشاكل طرَفَيْه ؟
كما ذكرت لك انفا المثقفون هم أساس المشكلة،فهم إما أناس يتخبطون فى الداخل حاما ومعارضين للسلطة أو كوادرصرفت عليها الدولة الشئ الكثير فغادرت البلاد طوعا أو مرغمة ،السودانيون اليوم فى كل المنافي والمهاجر بدءا من الخليج مرورا بأوربا وليس إنتهاء بالأمريكتين واستراليا،تصوري شاعرا كبيرا كالشاعر السوداني محمد مفتاح الفيتوري ،الذي رفع اسم السودان عاليا فى محافل أدبية عديدة،لا ترعاه الدولة فى مرضه ولا تجدد له جواز سفره ومشكورة المملكة المغربية تمنحه أقامة فى أرضها رغم مخالفته لقوانين وأنظمة الإقامة،وهو القائل :
دنيا لا يملكها من يملكها 
أغنى أهليها سادتها الفقراء 
الخاسر من لم يأخذ منها 
ما تعطيه على استيحاء 
والغافل من ظنّ الأشياء
مثله كان اأديب والروائي العالمي الطيب صالح صاحب رائعة موسم الهجرة الى الشمال عاد جسدا ميتا الى السودان،السودانيون اليوم علماء كبار وخبراء فى المنظمات الاقليمية والدولية يبنون بلدان الاخرين وينسون بناء وطنهم حالهم لا يسر أحدا. 
كيف تُقَيِّمُ جروح السودان ؟
تتقاطر أسئلة شتى تلف النفس السودانية المتعبة وتغلفهابرغبة مجنونةللمعرفة والهدوء والفرح فلا تجني الا سياطا من قلق فجروجنا كثيرة بل ومتقرحة ومندملة نحاول عبثا ان نكتب تعاويذ تمنح انفسنا شيئا من السلام والرضا نحاول احياء الجزء المهزوم والمجروح فينا نحاول تقويم انكساره نحاول تغيير المستحيل ونبحث علّنا نجد لنزف أرواحنا المتعبة في السودان عقارا يسكن أآلامها جروح السودان ليست فى المظاهرات التى تقمع اليوم ولكن فى فشل نخبنا وحكامنا فى نزع الاسى عن نفوسنا وغرس شقائق النعمان فى عيوننا .
قضاياالبيئة/الطفولة-المراة/ حقوق الانسان تستدعي تكريس الجهد لإنجاح مخططاتها ، هل نجح السودان في رسم خارطة طريق لهذه القضايا ؟
لا أظن أننا فى السودان نجحنا فى رسم خارطة طريق لأى من هذه القضايا فالطفولة على سبيل المثال فى بلدنا طفولة بائسة ولا تزال الزهرات يخفضن لأن القوانين وحدها لا تحارب عادة الخفاض المتأصلة لمئات السنين فى بلد كالسودان ، المرأة فى السودان أيضا لم تتبوأ المكانة التي تليق بها بل تُجْلَد في الشارع إن تجرأت وارتدتْ بنطالا ، مشاركتهن فى السلطة مشاركة شكلية وصورية وديكورية فى معظم الأحيان ، رغم ان السودانية بطبعها نابهة ومتفوقة فى كل مجال ترتاده 

بيئتنا هي الأخرى تهدر مواردها الطبيعية .فغابات السودان لا أحد يهتم بها والحياة البرية التي كان يذخر بها السودان في أفريقيا كلها تناقص عدد الحيوانات التي كانت ترتع في بواديه وسهوله وغاباته مثل الاسود والنمور والأفيال والغزلان وغيرها بفعل الصيد الجائر وعدم الحماية الكافية حتى أصبحت مهددة بالإنقراض داخل محمية الدندر الطبيعية التى لا تجد هي الأخرى الرعاية اللازمة.

أما الحديث عن حقوق الإنسان يكفي أن أشير الى أن رئيس الدولة عندنا وكبار معاونيه مطلوبون فى محكمة الجنايات الدولية على خلفية انتهاكات حقوق الإنسان فى السودان ، يكفي القمع الذي يجري بحق المتظاهرين الان فى الشارع السوداني والإعتقالات اليومية حتى بلغ عدد الموقوفين دون محاكمات خلال أسبوعين من التظاهر السلمي أكثر من الفي ناشط وصحفي،ملف حقوق الإنسان فى السودان ملف قميئ لا ننصح بالاطلاع عليه .
* بين الشارع السياسي و الشارع الادبي كيف تنسجم الخطى من اجل مسيرة سليمة سلمية نحو الأفضل؟
الشارعان السياسي والأدبي فى تقديري وجهان لعملة واحدة كلاهما ينشد التغيير نحو الأفضل فى عالمنا العربي،فكما تعمل النخب السياسية على احداث التنمية المنشودة تهتم النخب الأدبية والمهتمون بمختلف أنواع الاداب والفنون بتشكيل وجدان هذه الأمة فالشاعر ينشد الخير والجمال لامته تماما كما السياسي الذي يُعد الأمة بالبناء والتغيير ولابد أن تتكامل الأدوار بل لا ينبغي أن يمارئ الأديب السياسي من أجل منصب أو غيره بل لابد أن يوظف ضرب الفن الذي يجيده لمصلحة الأمة وحدها،لسنا بحاجة لشعراء وكتاب وفنانين مطبلين مداح.
وقد اثبت الأدباء والفنانون في ثورات الربيع العربي انهم فصيل رائد وأصيل فى مسيرة التغيير التي تنتظم أولاد العرب من مغربها الى مشرقها.
مجتمعاتنا نفتح و تتغير عاداتها و تسقط مبادئها تباعا. و من الآفات التي تنمو كالفطر وسط الشباب، نجد التحرش سائبا ، كيف نتعاطى مع الظاهرة و كيف نحاربها ؟
ليس التحرش وحده ما تعاني منه مجتمعاتنا ،النسيج الاجتماعي كله يتمزق فى مجتمعاتنا العربية والاسلامية، لذا فالتحرش مجرد عرض لما اصابها من وهن وضعف وتصدع ،الاسرة اليوم ليست كالأسرة بالأمس واولاد وبنات اليوم ليسوا بالطبع كأولاد وبنات الأمس ،صحيح أن الوسائل التقنية المختلفة غيّرت كثيرا من مفاهيمنا ،لكننا لم نحسن استخدامها لم تعد لدينا المناعة الكافية لامراض العولمة، والتحرش لم يعد حكرا على الشباب والرجال بل الفتيات والنساء يقمن فى بعض البلاد بمجاراة الرجال فيه ، للمزيد حول موضوع المرأة احيلك الى مقالي بعنوان هل من رجل يتحرش بي فى موقع وكالة أنباء المرأة
على الرابط التالي:
http://wonews.net/ar/index.php?act=post&id=1543
* في العالم الإسلامي...يصيبنا بين الحين و الحين وابل من الفتاوى الغريبة، ما دور الإعلامي في تحجيم/صدّ او نشرهذه الفتاوى خصوصا تلك التي تخزنا في الصميم كإرضاع الزميل في العمل أو زواج الطفلة و زواج المسيار و ما شاكَله ؟
ليس أدق على تصوير واقع الفتوي فى الدول العربية من تلك الواقعة التى حكاها الزميل خالد القشطيني حيث قال: أنه قبل سنوات سأل إمرأة ساقطة في احدى العواصم العربية. كانت محجبة ومحتشمة في زيها ومظهرها وتقيم الصلاة في اوقاتها والصيام في أيامه. سألها عن هذا التناقض. قالت ذهبت الى دار الافتاء واستفتيتهم. اجابوني بأن الله غفور رحيم، وحالما أتوب من هذا العمل واستغفره سيغفره لي على ان احافظ على اداء الصلاة. فترك الصلاة لا يغتفر- قالوا لها. وهكذا واظبت على البغاء ليلا واداء الصلاة نهارا، هناك من أفتي حق «مضاجعة الوداع» مع زوجته المتوفاة ، وهناك من أفتي بإرضاع الزميل فى العمل أو السائق فى البيت،وهناك من أفتى بزواج الطفلات،وهناك من أفتي بزواج المسيار والإيثار وغيره،بل هناك من أفتى بتحريم لبس الستيان (صدرية النهدين) على النساء.لأنه يؤدي الى غش الرجال بحجم ثدي الفتاة وشكله! أسوة بحملة «حرق الستيان»bra burning التى وقعت قبل سنوات كخطوة نحو تحرر المرأة ومساواتها بالرجل. وهناك من أفتى بتحريم لبس سراويل الجينز لأنها تنطوي على تشبه بالكفار، بل هناك من أفتي بحرمة لبس ربطات العنق لأنها عقدتها تشبه صليب الكفار، وهناك من أفتي على النساء والفتيات بحرمة الجلوس أمام جهاز كومبيوتر مزود بخدمة الأنترنيت بدون محرم خشية أن تتم غوايتها في الدردشة. وهناك فى المغرب فتوي أجازت للأبوين تزويج بناتهن القاصرات معللا ذلك بان السيدة عائشة تزوجت فى سن التاسعة، وهناك من أفتي باستخدام المكياج للرجال يجوز بشكل عام، سواء كانت الوظيفة تتطلب ذلك، أو لإخفاء بثور في الوجه، أو حتى للتجمّل، لأن الله جميل يحب الجمال»وهناك من أفتى بجلد الصحافيين ثمانين جلدة إن كتبوا خبرا غير دقيق. الفتوي تحتاج أختى العزيزة فى بلاد المزيد الى مزيد من الضبط.
هل تتصور نوبل للإسلاميين ؟
الاسلاميون الذين صعد نجمهم هذه الايام بعد أفول طويل لن تزيدهم نوبل بمختلف تفرعاتها شرفا بل سوف تتشرف نوبل بهم إن أحسنوا قيادة الأمة فى بلدانهم ليس من خلال الشعارات البراقة من شاكلة (الاسلام هو الحل)وإنما إنزال قيم السماء فى واقع الناس بشكل عملي ومقنع فهم فى تحد كبير فى تونس من خلال حزب النهضة برئاسة الرجل المستنير الشيخ راشد الغنوشي ،وفى مصر التى وصل فيها الدكتور محمد مرسي الى كرسي رئاسة الجمهورية،وفى ليبياوسوريا والمغربفى كل هذه البلدان وغيرها الاسلاميون بحاجة الى أن يثبتوا لشعوبهم بأنهم ديمقراطيون وبأنهم دعاة دولة مدنية عصرية تمنح المواطنين كافة الحقوق وتوفر لهم الحياة الكريمة ،واليمنية توكل كرمان اول عربية تحصل على جائزةنوبل للسلام أكدت قدرة الأسلاميين على مقارعة غيرهم وبزهم فى كافة المحافل وعلى كل حال الحديث عن نوبل وجوائزها لا ينبغي أن يشغلنا عن قضايانا المصيرية وما أكثرها .
*الإبداع بين جدلية التطور و الركود يتأثر بما حوله و يؤثر فيه، و الحركة الأدبية في العالم الإسلامي تتطور، لكن القارئ شبه منعدم رغم وفرة الإنتاج ، ما سبب هذا العزوف في رأي سليم عثمان ؟
للأسف أختي عزيزة أن أمة إقرأ لا تقرأ وقد قيل فى شأن القراءة:
(الإنسان القارئ تصعب هزيمته).
(إن قراءتي الحرة علمتني أكثر من تعليمي فـي المدرسة بألف مرة). 
(من أسباب نجاحي وعبقريتي أنني تعلمت كيف انتزع الكتاب من قلبه). 
و سئل أحد العلماء العباقرة: لماذا تقرأ كثيراً؟ فقال: (لأن حياة واحدة لا تكفيني)
*القراءة تنمي ثقتي بنفسي.
*القراءة تجعلني أكثر كفاءة في إنجاز أعمالي.
* القراءة تجعل قراراتي أكثرفاعلية.
* القراءة تزيد من فرص ترقيتي في مجال عملي.
* القراءة تجعلنيأكثر ثباتاً في مواجهة الأزمات والضغوط.
* القراءة تزيد من فهمي وإدراكيللأمور. 
* القراءة تجعلني عضواً بارزاً وفعالاً في فريق عملي
* القراءةتجعلني لبقاً في محادثة الآخرين.
* القراءة تجعلني أكثر دقة وذكاءًوبديهة.
* القراءة تزيد من قدرتي على تحمل المسؤولية
* القراءة وسيلة لتحصيل العلم الشرعي
وقديما كانوا يقولون القاهرة تؤلف الكتب وبيروت تطبع والخرطوم تقرأ لكن لسوء الحظ ابتعد أهل السودان فى زماننا الحالي عن القراءة كثيرا، بل إن معارض الكتب على قلتها لا يزورها الا القلة،بل تشعر بندرة المكتبات العامة والخاصة،ومع أننا أمة اقرأ ولكن للأسف لا نقرأ، وإذا قرأنا لا نقرأ المفيد من الكتب إلا من رحم الله من هذه الأمة، والأغرب من ذلك تقرير إحدى الجامعات في عالمنا العربي الذي أكد أن 72% من خريجي الجامعات يتخرجون دون أن يقوموا باستعارة كتاب واحد من مكتبة الجامعة!واذا سألت أحد الشباب عن قراءته للكتب يقول لك إنه يطالعها فى النت ،وليتهم فعلا يقرأون فى النت إن هجروا الكتاب الورقي .(ولقد أُجريت دراسة بهدف التعرف على معدل قراءات الشعوب في العالم، حيث كانت النتيجة: أن معدل قراءة الرجل العادي - الذي يعمل في المحلات والأعمال الحرفية - في اليابان أربعون كتاباً في السنة، ومعدل قراءة الفرد في المجتمع الأوروبي عشرة كتب في السنة، في الوقت الذي كان معدل قراءة الفرد في الوطن العربي عُشر كتاب، بمعنى أنه يقرأ في العام عشرين صفحة من كتاب تبلغ عدد صفحاته مائتي صفحة.)
وإحصائية أخرى أشارت إلى أن معدل قراءة الفرد العربي على مستوى العالم هو ربع صفحة !! أي أن متوسط القراءة لدى الفرد العربي في السنة- مقارنة بالقارئ العالمي - لا تتجاوز نصف ساعة
* إنّ الأدب كائن حي ينمو ويتطوّر، يتأثّر بما حوله ويؤثّر فيه، والمتتبّع لحركتنا الأدبيّة المحليّة يستطيع أن يلمح تطوّر الأدب نثرا وشعرا، كما أنّه يلاحظ أنّ ثمّة فيضا أدبيّا تفرزه أقلام محليّة عديدة، فلا يملك القارئ والمتتبّع إلاّ أن يقف مشدوها أمام هذه الوفرة من الإنتاج؟
صحيح الأدب كائن حي ينمو ويتطور،لكن لو أخذنا العالم العربي مشرقا ومغربا قبل عصر التكنولوجيا الحالية ما كان التواصل بينهما كبيرا وحتى اليوم لا يتم تبادل الكتب الورقية بين شطري العالم العربي كما ينبغي ربما بسبب كلفة النقل وربما لقيود أخرى نجهلها ..لكن التكنولوجيا يسّرت لنا الاطلاع على إنتاج كتاب المغرب كما يسّرت للمغاربة جميعا الاطلاع على نثر وشعر وكتابات اخوانهم فى المشرق ولا أدري لم تذكرتُ مقولة الكاتب الايرلندي الساخر برناردشو: غزارة فى الانتاج وسوء فى التوزيع وهو يشير ربما الى لحيته.ربما تجدين غزارة فى الانتاج هنا وقلة فى توزيعه هناك والعكس صحيح لكن هذا لا ينبغي أن يمنع الاستفادة من إرثنا الأدبي الكبير بل ومن تراثنا القديم لأن من نسي قديمه تاه. كم يتمنى المرء ان تترجم آداب العرب وفنونهم الى اللغات العالمية المختلفة .هل يقرأ لنا مثلا أكثر من مليار شخص فى الصين مثلا، رغم العلاقات الاقتصادية والسياسية بين بلداننا والصين؟ لا أظن ان انتاجنا الثقافي والفكري والأدبي وصل إلى تلك الدولة/القارة وليس العيب فيهم بل فينا هل نسطيع قراءة الادب الصيني او الروسي او اللاتيني بشكل جيد ؟ لا اعتقد وبالتالي نحن بحاجة لأن نتفاعل نؤثر بأكثر مما نتأثر لأننا أمة لها رسالة عظيمة لا ينبغي أبدا أن نكون فقط مستقبلين لانتاج الاخر بل علينا أن نعرض له وعليه بضاعتنا المزجاة بالسمو الرفعة والعزة والسؤدد والجمال والفضيلة .
ختاما لك شكري الجزيل زميلتي عزيزة رحموني على هذا التواصل الذي مكنني من التوقف لبرهة لاهثا فى بعض محطات حياتي المتواضعة أتمنى لك كل العافية والسعادة ..
-_-_-_-_-_-_-_-_-_-_-_-_-
اجرتِ اللقاء: :
عزيزة رحموني من المغرب